مبدأ التسويات .. وبرنامج المسامحة في نظام المنافسة السعودي

|

جاء تنظيم الهيئة العامة للمنافسة حاملاً في طياته شيئا من التغيرات، كما تضمن التنظيم مجموعة من المسائل التي قد تعتبر جديدة على نظام المنافسة السعودي. أحد تلك المفاهيم التي جاء التنظيم بها هو مبدأ التسويات.
أناط تنظيم الهيئة العامة للمنافسة بمجلس الهيئة صلاحية أو سلطة الموافقة على التسويات التي تتم بين المخالفين والهيئة العامة للمنافسة، التي اصطلح التنظيم على تسويتها بالمصالحة. والقارئ لنص الفقرة الواردة يفهم أن معنى ذلك أن مشروع المنافسة الحالي سينظم عملية التسويات أو المصالحة التي ستتم بين المخالفين لأنظمة المنافسة والهيئة العامة للمنافسة. لكن موضوعي في هذه المقالة هو محاولة رسم الخطوط والحدود بين ما سماه التنظيم المصالحة وما يعرف ببرنامج المسامحة. وقبل أن أبدأ موضوع هذه المقالة، أحب أن أشير إلى مسألة في صياغة الفقرة المتعلقة بموضوعنا. نصت الفقرة على أنه من اختصاصات مجلس الهيئة العامة للمنافسة "قبول المصالحة المنشآت المخالفة وفقاً لأحكام النظام واللائحة"، وأعتقد أن الصياغة لم تكن محكمة، فهل المصالحة هي التي يجب أن تكون وفقاً للنظام واللائحة، أم أن المقصود بالفقرة هو قبول المصالحة مع المنشآت التي تعتبر قد خالفت نظام المنافسة ولائحته؟ وقد يقول قائل إن المعنى واضح في أن المقصود هو الثاني، إلا أن الخلاف في التفسير سيظل موجوداً، والتفسير الأول تظل له وجاهته، وذلك بسبب الصياغة التي يجب أن يتم إحكامها إحكاماً دقيقاً بحيث لا يُفتح مجال لمثل هذه التفسيرات التي تعتبر مؤثرة بشكل كبير في المضمون والهدف.
أما موضوع هذه المقالة، وهو الفرق بين مبدأ التسويات أو المصالحات وبرنامج التسامح أو ما يسمى Leniency program، فيظهر الفرق بين هدف كل من المفهومين. فمبدأ التسويات والمصالحة يهدف إلى تقليل التكاليف على الجهة الرقابية في مخالفات قد تكون واضحة سواء تكاليف الوقت أو المال، إضافة إلى كون التسوية أو المصالحة لا تعني بالضرورة الحكم بإدانة طرف معين، فقد يتم التصالح في مراحل أولية من التحقيقات، بينما يهدف برنامج المسامحة إلى مساعدة كشف عمليات الاحتكار والاتفاقات الاحتكارية بين المتنافسين، ولا سيما مع صعوبة كشف عدد معين من أنواع الاتفاقات. ولك أن تتصور حجم الصعوبة عندما تعلم أن الاتحاد الأوروبي كشف أخيراً اتفاقات احتكارية لشركات مركبات كانت تمارس تلك الممارسات لأكثر من 20 سنة. يسهم برنامج التسامح في الكشف عن العمليات الاحتكارية عندما يقوم طرف متورط (يسمى في الدول المقارنة whistle-blower) في اتفاقيات احتكارية بالإبلاغ عن وقوعه في المخالفة مع غيره، بحيث يساعد الجهات الرقابية على كشف وإثبات المخالفات، فهو، أي المخبر، يحصل على عفو أو مناعة جزئية أو كلية من العقوبات.
والمهم بيانه أن الهيئة ستتبنى شيئا من هذه الأدوات الآن، وهي مبدأ التسويات والمصالحة، وهي أدوات حساسة ومن أخطر الأدوات، التي إن لم يتم ضبطها ضبطاً دقيقاً وفقاً لآليات واضحة وشفافة، فإن مثل هذه الأدوات قد تفتح باباً من التعسف أو الفوضوية أو الفساد. ويمكن تشبيه هذه الأدوات بالأدوات الحادة عند إعطائها لمن لا يعرف استعمالها فقد يجرح نفسه ويجرح الآخرين بها. ولا تزال الدول التي لديها تجارب سابقة في تقييم إيجابيات وسلبيات مثل هذه الأدوات تسعى إلى التطبيق الأمثل لها.

إنشرها