التعليم .. رافعة الانتماء

|

الهم التعليمي والتربوي، هم لا ينقضي، وليس له زمن محدد، ينتهي عنده، وذلك لأن العملية التربوية والتعليمية مستمرة مع الإنسان حتى اللحد، أخذا بالمقولة المشهورة: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، إضافة إلى التغيرات السريعة في جميع المجالات الاقتصادية، والتقنية، والمعرفية، والتقلبات السياسية التي تجتاح العالم، والتغيرات البيئية الناجمة عن المصانع، وما تحدثه من تلوث مضر بالإنسان، والنبات، والحيوان.
الواقع الذي نشهده يحتم أن تكون العملية التربوية والتعليمية متناسبة مع هذا الواقع، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال لأي مجتمع أن يبقى متقوقعا على ذاته، في زمن الفضاء المفتوح الذي لا يخضع لمعايير، ولا يعترف بحدود جغرافية، ولا يمكن للحواجز المادية، والتقنية أن تعيقه عن الوصول إلى الناس، أينما كانت مواقعهم، في غابة، أو مدينة عصرية، أو قرية نائية.
الفضاء المفتوح نتائجه كبيرة، ومؤثرة في العقول، والاتجاهات، والأفكار، التي قد لا تتفق مع منظومة المجتمع الثقافية، والقيمية، ما يشكل خطرا في انقسامات اجتماعية، أو ما يعرف بلغة العلم صراع الأجيال الناجم عن الاختلاف في طريقة التفكير، والأهداف، والنظرة للحياة، فمن عاش في ظروف 40، أو 50 سنة ماضية، من المؤكد يختلف عن فرد الخامسة عشرة، الذي ظهر على الحياة، وفي يده كل أجهزة التقنية، وأحدثها، الأمر الذي يمكنه من التواصل مع العالم، بجميع التباينات الثقافية، والنظم الاجتماعية، والقوانين.
الناشئ، أو الأقل نضجا، وخبرة، والأقل حصانة فكرية، مهيأ للتفاعل مع ما يرد إليه عبر وسائط التواصل، بغض النظر عن طبيعتها، ولذا لا غرابة أن نرى أفرادا نشازا في طريقة تفكيرهم، وغربتهم عن مجتمعهم، وثقافتهم، وقيمهم، غربة تعزلهم عن مجتمعهم، وتحدث لديهم نفورا نفسيا من كل ما يمت لمجتمعهم بصلة، وهذا بحد ذاته يشكل شرخا يضعف الصلابة المجتمعية.
عناصر العملية التربوية والتعليمية، ممثلة في الجهاز الرئيس المدرسة، والمعلم، وأولياء الأمور تلعب دورا بارزا في تغيير ميزان القوى لمصلحة المجتمع، بأهدافه، وقيمه، وثقافته العامة، المشكلة للشخصية الوطنية، المتماسكة، القادرة على حماية المكاسب الاقتصادية، والتنموية المتحققة. الدور الأساسي للمدرسة يتمثل في تميزها بخصائص أساسية، منها المرونة، والوعي، والإلمام بجميع التغيرات المحيطة بها، محليا، وإقليميا، وعالميا، إذ لا يمكن تصور بقاء المدرسة بصورة جامدة في أنشطتها، ومناهجها، وطرق تدريسها، ومن أبسط الأمثلة الانفتاح على المجتمع، والتواصل مع مؤسساته، والتفاعل مع ما يحدث فيه من فعاليات، وأنشطه، بدلا من تحولها إلى جزيرة منعزلة داخل المجتمع لا تعرف ماذا يحدث فيه من تغيرات.
الفصل الدراسي يفترض أن يأخذ صفة، ووضعا مختلفا، فبدلا من حالة الركود الذي يصل إلى حالة الجمود داخل الفصل يلزم أن يكون الحراك، والاستثارة الذهنية للطلاب ممارسة يومية تهيئهم للتفكير العميق في الظواهر المادية، والاجتماعية، ليكونوا ملمين بواقع مجتمعهم، شاعرين بالتحديات التي تواجهه، قادرين على تحمل مسؤولياتهم المستقبلية، للإسهام الفعال في تنميته، وتطوره، كما أن خاصية المرونة تقتضي الأخذ بكل جديد معرفي، وإدخاله ضمن المنهج، وتجنب حالة التكلس في المناهج. إن الأسلوب التقليدي المعتمد على المعلم كمصدر وحيد للمعلومة لم يعد قائما في كثير من الدول، ولا مناسبا للعصر الحديث، وهذا ما يجب أن يحدث داخل مدارسنا.
من الإشكاليات الواضحة في بيئتنا التعليمية التركيز على الجانب النظري، وإهمال الجانب التطبيقي، العملي، وهو ما يفقد الفرد اكتساب المهارات التي تؤهله للحياة، وهذا لا يتحقق ما لم يكن المعلم مهيأ لهذا الدور المهم. ولتحقيق هذا الهدف يلزم إعادة تأهيل المعلم من خلال دورات تدريبية مكثفة، تمكنه من التعامل مع التقنية، بكفاءة عالية، وتؤهله لتوظيف مصادر المعلومات الحديثة.
أولياء الأمور لهم دور بارز في الارتقاء بالعملية التعليمية من خلال مساندة المدرسة، معنويا في كل ما يرتقي بأنشطتها بالفكرة السديدة، والحضور، أو حتى المساندة المادية على شكل تبني مشروع، أو برنامج تنفذه المدرسة، كما أن لهم دورا بارزا في توثيق علاقة النشء بمجتمعه، معززين انتماءهم له. المعلم بشخصيته، وأخلاقه، وحسن تعامله، وسعة وعمق معرفته يمثل قدوة يتقمصها الطالب، ويجعلها قدوة له. عندما أقرأ بعض ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي أو أسمع حديثا أتساءل: ما مقدار ما يتوافر عند هؤلاء من انتماء صادق لمجتمعهم؟ ولماذا هذه الغربة الاجتماعية؟!

إنشرها