أخبار اقتصادية- عالمية

مستشار في «التجارة العالمية» لـ"الاقتصادية" : «بيتكوين» استثمار فاسد

تبدو عملة بيتكوين كصاروخ أفلت من عقاله، وانطلق إلى الفضاء الخارجي، ولا يوجد من يستطيع إيقافه، فالعملة الرقمية التي كانت عند بداية العام لا تتجاوز قيمتها ألف دولار، تأبى أن ينتهي العام دون أن تحلق في آفاق سعرية لم يكن أكثر أنصارها طموحا يتوقعون الوصول إليها.
وتجاوزت العملة المشفرة البيتكوين في الشهر الماضي سقف الخمسة آلاف دولار، وما أن مضت أيام معدودات حتى تجاوزت العشرة آلاف دولار لتصل إلى 12 ألف دولار.
وبحسب "رويترز"، طغت تحركات بيتكوين مجددا على أي عملة تقليدية أخرى حيث حققت العملة المشفرة مستوى قياسيا مرتفعا جديدا متجاوزة 12500 دولار بزيادة أكثر من 7 في المائة عن يوم أمس الأول.
وبذلك تتجه بيتكوين صوب أقوى أداء فصلي لها منذ عام 2013 بعدما تضاعف سعرها إلى ثلاثة أمثاله منذ بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
وتوقع مختصون في مجال العملات أن تصبح ألمانيا عاصمة العملات المشفرة في العالم مع اقبال عديد من المعاهد والجامعات المرموقة المصاريف بعملة بيتكوين، الأمر الذي يعزز موقع العملات الرقمية في العالم.
وتلقت بيتكوين دعما بعد إعلان الجهة الرئيسية المنظمة لسوق المشتقات في الولايات المتحدة يوم الجمعة أنها ستسمح لمجموعة "سي.إم.إي"، و"سي.بي.أو.إي جلوبال ماركتس" بإدراج عقود بيتكوين آجلة.
وتفتح الخطوة الباب لمزيد من التنظيم الرقابي لكنها تسهل أيضا توسيع نطاق تبنيها إذ إن العقود الآجلة والمشتقات الأخرى ستزيد من سهولة تداول فئة الأصول الجديدة.
وصعدت العملة الرقمية صعودا فلكيا إلى عشرة أمثال قيمتها من أقل من ألف دولار في مطلع العام وهو ما جذب اهتمام الجهات التنظيمية في أنحاء العالم.
والآن تبلغ القيمة الإجمالية للبيتكوين نحو 203 مليارات دولار لتصل بذلك إلى ضعف القيمة الإجمالية لبنك "جولدمان ساكس" أحد أكبر البنوك الدولية، والمثير للدهشة أن هذا الارتفاع في قيمة العملة المشفرة، يأتي وسط أصوات دولية كبيرة ناقدة في المجال الاقتصادي والمجال المصرفي وتواصل التحذير بأن البيتكوين مآلها إلى انهيار مدوٍ.
ومن تلك الأصوات، ديفيد إجمون أحد أكبر الاقتصاديين البريطانيين والاستشاري في منظمة التجارة الدولية الذي يحذر عبر "الاقتصادية" من مغبة الاستثمار في البيتكوين ويصر على موقفه بأنها استثمار "فاسد" وأن الأمر لا يتجاوز فقاعة تعكس تخيلات اقتصادية ولا يوجد لها أي سند في الواقع.
وبطبيعة الحال فإن عديدا من المؤسسات الفاعلة في أسواق المال لا تتبنى وجهة النظر تلك، فمجموعة "جي إم إي" الأمريكية لتشغيل الأسواق المالية وتبادل العقود الآجلة وكذلك بورصة شيكاغو الشهيرة أضفت مشروعية على الاستثمار في العملة المشفرة البيتكوين، ما يعني مزيدا من الصلابة في موقف المتعاملين بالبيتكوين والمدافعين عنها بكونها واقعا اقتصاديا مستقبليا لا فكاك منه.
لكن البعض يعتقد أن تلك الأصوات الناقدة للبيتكوين ستتلاشى ويقل تأثيرها كلما دخلت الاقتصادات ذات العيار الثقيل على خط التعامل بتلك العملة، وفي الحقيقية فإن كثيرا من دول العالم لا تزال تتلمس الوضع، ولم تحسم موقفها تماما من العملات المشفرة عامة والبيتكوين على وجه الخصوص.
الدكتور كريس ديسوزا أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة ليدز، يعتقد أن مستقبل العملات المشفرة ومن بينها البيتكوين يرتبط بموقف البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى من هذا النوع من العملات.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "كلما أقرت الاقتصادات الكبرى في أوروبا وآسيا بالعملات المشفرة، باتت تلك العملات حقيقة واقعة لا مجال لتجاوزها اقتصاديا، ونلاحظ أن هناك تغيرات إيجابية من قبل عدد من الاقتصادات الرئيسية الموجهة للأسواق الدولية بشأن البيتكوين، فمثلا ألمانيا تعترف بالبيتكوين كوحدة حسابية أي أنه يمكن استخدامها لدفع الضرائب وللتجارة، أي أنها أداة مالية تخضع للقوانين المصرفية المعمول بها في ألمانيا. وهناك جهود حثيثة هناك لأن تصبح البلاد عاصمة العملات المشفرة في العالم، إذ يقبل عديد من المعاهد والجامعات المرموقة المصاريف بالبيتكوين، وهذا بالطبع يعزز موقع العملة الافتراضية".
ويشير ديسوزا إلى أن الارتفاع المتواصل في أسعار البيتكوين أثار حفيظة أشخاص مهمين في صنع القرار المالي في ألمانيا، وأوجد مناخا من القلق ربما يؤثر نسبيا في مدى القبول الشعبي لتلك العملة، ففي شهر مايو الماضي حذر عدد من المسؤولين في مجلس محافظي البنك المركزي الألماني من مغبة الاستثمار في البيتكوين، وتحديدا التعامل معها باعتبارها مخزنا للقيمة، لكنهم لم يدعوا إلى حظرها من التداول في ألمانيا، كما أن "دويتشه بنك" حذر أواخر الشهر الماضي من البيتكوين، لأن سعرها من وجهة نظر البنك غير مستقر، ولا توجد خطة استثمارية واضحة بشأن التعامل معها.
لكن البعض يعتبر أن البيتكوين لن تنال مشروعيتها الدولية إلا من خلال الحصول على دعم من أربع جهات دولية هي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصين والهند.
ويقول لـ "الاقتصادية"، هلم هويت المحلل المالي في بورصة لندن "إذا نالت البيتكوين دعم تلك الجهات الأربع، فإنه بغض النظر عن التغيرات السعرية التي تمر بها، حتى إن تم لاحقا انهيارها السعري الكامل باعتبارها فقاعة مالية، فإنها ستكون حققت مكاسب كبيرة باعتبارها عملة معترف بها من أكبر مؤسستين ماليتين في العالم، ومن الصين والهند بما تمثلانه من قوة شرائية ضخمة، وهو ما يمنح العملات المشفرة ومن بينها البيتكوين الفرصة للنمو مستقبلا مرة أخرى".
ومن وجهة نظر الدكتور هاردي هارن الاستشاري في صندوق النقد الدولي يبدو أن موقف الصندوق تجاه العملات المشفرة عامة واضح المعالم.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد صرحت أخيرا بأن المؤسسات المالية الدولية وبالطبع في مقدمتها الصندوق تخاطر بعدم متابعة أو تفهم المنتجات التكنولوجية المالية التي بدأت تهز النظام المالي العالمي ونظام المدفوعات الدولية، وهي تشير بذلك إلى العملات المشفرة، مشيرة إلى عدم اتفاقها مع اعتبار البيتكوين "احتيالا"، وهو التعبير الذي استخدمه بعض رؤساء مجال إدارات بنوك دولية في وصف العملة المشفرة، بل إن لاجارد لم تستبعد قيام الصندوق بطرح عملة مشفرة خاصة به.
أما بالنسبة إلى البنك الدولي فإنه لا يوجد موقف شديد الوضوح بدعم العملات المشفرة كما هو الأمر بالنسبة إلى صندوق النقد، لكن البنك أعد أخيرا ورقة بحثية بشأن هذا النوع من العملات وتحديدا البيتكوين، وقد صبت نتيجة البحث بشكل إيجابي في مصلحة العملات الافتراضية التي اعتبرها البحث أنها فقاعة لكنها فقاعة "طبيعية" تحدث نتيجة قوى السوق والطلب المتزايد على هذا النوع من العملات.
لكن إذا كان هذا هو موقف أهم مؤسستين ماليتين فما موقف الصين والهند من البيتكوين؟ بريدي هاربنو المختص الاقتصادي يفسر لـ "الاقتصادية" موقف البلدين وأسبابه من العملات المشفرة قائلا "البنك المركزي الصيني ونظيره الهندي حذرا من مغبة الاستثمار في العملات الافتراضية، وصرح نائب محافظ البنك المركزي الصيني، بأن كل ما عليك أن تفعله أن تجلس على حافة النهر، وستجد بعد قليل جثة البيتكوين تطفو وترحل بعيدا عنك، ولا شك أن هذا الموقف الرافض للعملات المشفرة ترافق مع صدور بيان رسمي من البنك المركزي الهندي يحذر فيه من التعامل مع البيتكوين، وسنجد هذا الرفض للعملات المشفرة موجود أيضا في بنجلاديش وإندونيسيا، لكن بينما اتخذت الصين إجراءات صارمة لمنع التعامل بتلك العملة، تبدو الهند أكثر تساهلا، إذ إن البنك المركزي يحذر المواطنين من مخاطر العملات المشفرة لكنه لم يحظرها".
ويستدرك هاربنو قائلا "جزء من هذا الموقف الرافض ينبع من قلق تلك البلدان من انفجار فقاعة البيتكوين، وخسارة مواطنيها ثرواتهم المالية، وهذا سيضع حكومات تلك البلدان في مأزق حقيقي على المستويين الاقتصادي والسياسي".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية