داود وهيئة الإذاعة والتلفزيون .. ماذا نريد؟

|

يحفزني تعيين داود الشريان رئيسا تنفيذيا لهيئة الإذاعة والتلفزيون إلى أن أعيد الأمل في عودة التلفزيون السعودي لسابق عهده خصوصا الفترة التي كان فيها صوتا صادقا لهموم المواطن ومصدرا موثوقا لتقديم المعلومة الصحيحة خصوصا في الجوانب المرتبطة بالتأمين والخصخصة وغيرهما من القضايا. قد لا تتجاوز معرفتي بداود إطارها المهني وكضيف في بعض حلقات برنامج «الثامنة»، ومتابع للبرنامج منذ بداية ظهوره عام 2012. من الجوانب اللافتة في شخصية داود أن لديه "حدسا" قويا يمكنه من معرفة دافع المتحدث أو ضيف برنامجه. فداود يستطيع أن يميز ما إذا كان ضيف برنامجه يهدف إلى توظيف البرنامج لتحقيق مكاسب شخصية، أو تصفية حسابات مع الجهة أو الوزير المعني بالموضوع، أو محاولة إثبات وجود ولعب دور المعارض من منطلق "يا بلعب أو بخرب"، أو من أجل كسب جماهرية والتحدث بخطاب شعبوي يكسب من خلاله شريحة من شرائح المجتمع، أو يسعى لتحقيق مصلحة وطنية حقيقية أو غيرها من المنطلقات. لذا فهو يتعامل مع ضيوفه وفقا لمنطلقاتهم وأهدافهم. أما في حالة كون ضيف برنامج الثامنة ممثلا للجهة المعنية بالحدث كوزارة حكومية أو جهة خدماتية، فداود يستطيع بحدسه معرفة ما إذا كان المتحدث يقول الحقيقة أو يحاول تضليل الرأي العام وتحوير سياق الحدث لجوانب أخرى ليست بالضرورة في سياق الموضوع المطروح.
هذه المهارة الإعلامية لداود نتمنى أن يعيد توظيفها لإعادة ترتيب البرامج في التلفزيون السعودي. فالقدرة المميزة لداود في معرفة منطلقات المتحدث في برنامجه يمكنه توظيفها لإصلاح الآلية التي يختار التلفزيون السعودي ضيوفه بها وفي برامجه المختلفة. فمع الأسف أن التلفزيون السعودي لا يركز كثيرا على معرفة مدى وجود تعارض مصالح بين المواضيع المطروحة بين الضيوف المستضافين في ذلك البرنامج.
فإذا كانت المجلات العلمية المحكمة تشترط قبل نشر أي بحث علمي الإفادة بمدى وجود تعارض للمصالح في الموضوع المبحوث، فإن الإعلام بحاجة أكبر لمعرفة دوافع المتحدثين. لا شك أن ضعف الوعي والخبرة لدى بعض معدي ومقدمي البرامج أدى إلى أن تكون بعض المواضيع المطروحة يعاب عليها تعارض المصالح. فمثلا من غير المعقول أن نتوقع من شخص يعمل لدى شركات التأمين أو مستفيد منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن ينحاز للمواطن بدلا من الشركات التي يستفيد منها ويقتات من قوتها، أو نتوقع من ملاك المستشفيات الخاصة أن يتحدثوا بحيادية عند تقييم أداء المستشفيات الخاصة.
نريد أن يعكس داود ما يفعله في برنامج «الثامنة» ويطبق حدسه القوي على البرامج التي تستضيف شخصيات لها مصالحها التي تغلفها بمصلحة المواطن. نريد أن يعود التلفزيون السعودي ممثلا صادقا لصوت المواطن لا صوتا للجهات المستفيدة من الخدمات الصحية كشركات التأمين أو مستشفيات القطاع الخاص أو غيرها من الجهات خصوصا أن هذه القضايا بشكل خاص يضعف لدى المواطن الخلفية العلمية التي تمكنه من معرفة صحة ما يطرح ما يسهل إقناعه بفكرة قد تكون خاطئة. لا يعني كلامي أنني ضد استضافة من لديهم تعارض في المصالح لكن يجب أن يستضافوا كممثلين لتلك الجهات أو ناطقين باسمها لكن ليس كمحايدين ومتحدثين باسم المواطن.
كما آمل أن يصبح التلفزيون السعودي مصدرا موثوقا به في تقديم مختلف المعلومات الثقافية والفنية والعلمية وغيرها. لذا يجب أن يكون التلفزيون السعودي أكثر حرصا في تقصي ومعرفة الخلفية العلمية لمن يستضيفهم في مختلف القضايا المطروحة. فالتلفزيون يجب أن يبقى مصدرا للمعلومة الصحيحة بدلا من أن يصبح رهينا للاجتهادات الخاطئة. لذا فالتلفزيون قد يحتاج إلى مستشارين مختصين في مختلف الجوانب التي يقدمها لضيوفه الكرام.
نريد أن يعود للتلفزيون السعودي صوته ومصداقيته لدى المشاهد والمتابع لبرامجه.

إنشرها