مقاضاة المتورطين في المساهمات العقارية المتعثرة

|

لطالما تكررت على أسماعنا مطالبات الغالبية من تجار الأراضي والعقاريين، بعودة المساهمات العقارية إلى سابق عهدها، العهد المنفلت تماما من القيود والتنظيمات الراهنة، معتبرين ــ على حد زعمهم ــ تلك القيود والتنظيمات اللازمة أحد معوقات السوق العقارية، وسببا في نشوء أزمة العقار والإسكان، وهو الأمر الذي ثبت بطلان دعواه الزائفة في ضوء انكشاف فواجع تلك المساهمات العقارية على وضعها السابق، الوضع الذي لن ولم يفتأ غالبية تجار الأراضي عن المطالبة بعودته. كان من أبرز تلك الفواجع تعثر نحو 552 مساهمة عقارية على مستوى المملكة، فاقت رؤوس أموالها عشرات المليارات، وتورط فيها عشرات الآلاف من المساهمين، تمكنت لجنة المساهمات العقارية منذ تأسيسها من تصفية 250 مساهمة عقارية، واستعادة نحو 7.0 مليارات ريـال لمستفيدين تجاوزت أعدادهم 30 ألف مساهم تعثرت حقوقهم، وتعمل اللجنة في الوقت الراهن على استكمال تصفية نحو 177 مساهمة متعثرة.
تعكس النتائج المتحققة للجنة المساهمات العقارية، التي توشك على إكمال عامها السادس، جهودا مضنية بذلتها طوال الفترة الماضية، إلا أنها كانت تفتقر إلى "المخالب القضائية" التي تزيد من فعاليتها وهيبتها أمام خصومها، وهو ما كسبته أخيرا بعد صدور قرار مجلس الوزراء الموقر الأسبوع الماضي، بالموافقة على تعديل الفقرة الخامسة من البند الأول لآلية عمل لجنة المساهمات العقارية، وذلك بإضافة عبارة "ولها رفع الدعاوى أمام الجهات القضائية وشبه القضائية بجميع درجاتها" لتكون بالنص الآتي: "تتخذ اللجنة جميع الإجراءات الشرعية والنظامية، بما فيها التي تسهم في حفظ حقوق المساهمين وإعادتها بأنسب الطرق، سواء ببيع المساهمة مباشرة بحسب قيمتها الحالية، أو بيعها عن طريق المزاد العلني، أو انتظار اعتماد مخطط المساهمة، أو الاستمرار في القيام بأعمال التطوير بحسب حالة كل مساهمة، ولها رفع الدعاوى أمام الجهات القضائية وشبه القضائية بجميع درجاتها، وفقا لما تراه محققا لمصلحة المساهمين، ويجوز لمن صدر في شأنه قرار من اللجنة الاعتراض عليه أمام المحكمة المختصة في ديوان المظالم خلال مدة لا تتجاوز 60 يوما من تاريخ إبلاغه بالقرار، أو تاريخ نشره في صحيفتين محليتين، وإذا أتمت اللجنة البيع بعد ذلك أحالت وثائق المساهمة والأوراق إلى كتابة العدل للإفراغ، على أن يكون ذلك بصفة الاستعجال".
لا شك أن كثيرا من الأصوات ــ إن لم تكن كلها ــ المطالبة بعودة آلية المساهمات العقارية المنفلتة من الأنظمة والرقابة، سيختفي تماما بعد القرار الأخير لمجلس الوزراء، وليس هذا بالأمر المهم هنا؛ بقدر ما أن المكسب الأهم هو زيادة فعالية عمل لجنة المساهمات العقارية، وتعزيز قدرتها على استرداد الحقوق المهدرة لعشرات الآلاف من المساهمين المتورطين في بقية المساهمات العقارية المتعثرة، التي مضى على بعضها ثلاثة إلى أربعة عقود زمنية مضت. أصبح لزاما في ظل الظروف الراهنة، وتحقيقا للتحول المنشود للاقتصاد الوطني بوجه عام، وللسوق العقارية المحلية بوجه خاص، أن يتم العمل بشكل أسرع وأقوى فعالية على إغلاق تلك الثغرات الهائلة، التي خلفتها تلك المساهمات العقارية المتعثرة، يؤمل مع القرار الأخير الذي أقر للجنة حق "رفع الدعاوى أمام الجهات القضائية وشبه القضائية بجميع درجاتها، وفقا لما تراه محققا لمصلحة المساهمين"، أن يتحقق الهدف المنشود خلال فترةٍ زمنية أقصر، وأن يستعيد على وجه السرعة اللازمة، كامل حقوق المساهمين التي أهدرت طوال العقود الماضية، وأن يحرر مزيدا من المساحات الكبيرة من الأراضي التابعة لتلك المساهمات المتعثرة، وتصبح متاحةً للانتفاع والاستخدام الذي يخدم ويلبي احتياجات سوق العقار والإسكان، ويزيد في جانب العرض للحد من "تشحيح" الأراضي مقابل الطلب المحلي المتنامي، ويسهم بدوره في تخفيف جزء مهم من أشكال وطأة الأزمة الإسكانية محليا.
يتطلب الأمر النظر إلى زيادة فعالية عمل لجنة المساهمات العقارية، ورؤيته من خلال المنظومة المتكاملة والشاملة للحلول والبرامج، التي تستهدف في مجملها المعالجة الجذرية للتشوهات التي عانت وتعانيها السوق العقارية المحلية، تلك التشوهات التي تسبب وجودها في نشوء أغلب الآثار السلبية التي عانتها السوق طوال العقود الماضية، كانت آثارها المشاهدة للجميع تفاقم أزمة الإسكان المحلية، والارتفاع الكبير في أسعار تملك الأراضي والمساكن، وما تبعه من ارتفاعٍ لتكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، وصولا إلى بقية الآثار السلبية التي أصبحت معلومة لدى الجميع.
وكما أن تكامل تلك الأنظمة والإجراءات وتضافرها وفق ما تقدم، سيؤدي إجمالا إلى القضاء على تلك التشوهات وفق المأمول منها، فإن معالجة تلك التشوهات سيؤدي بدوره إلى القضاء على ما نتج عنها من آثارٍ سلبية بالغة الضرر في الاقتصاد والمجتمع، وهو الهدف النهائي المنشود بكل تأكيد من إقرار الدولة ــ أيدها الله ــ لتلك الأنظمة والإجراءات العديدة، سيكون إحدى أهم نتائجها المتوقعة إخماد التضخم السعري الهائل للأراضي ومختلف الأصول العقارية بالدرجة الأولى، إضافة إلى إطفاء أكبر قدر ممكن من فواتير الإيجارات السكنية والتجارية، التي ستسهم في خفض تكلفة المعيشة على الأفراد، وفي خفض تكلفة الإنتاج والتشغيل على منشآت القطاع الخاص، ويؤمل أن تتسارع معدلات تحققه في أقرب وقت ممكن، وخلال أقصر فترة زمنية ممكنة، بما يسهم في تحسين البيئة المحلية للاقتصاد الوطني، ورفع معدلات أدائه واستدامة نموه. والله ولي التوفيق.

إنشرها