التجربة الصحية السويسرية

|

يرى عديد من المختصين أن النظام الصحي السويسري من أفضل الأنظمة الصحية حول العالم إن لم يكن أفضلها. وتصف منظمة الصحة العالمية النظام الصحي السويسري بأنه نظام محسود على تغطيته الشاملة ورعايته المعيارية، حيث يتمتع كل فرد بتأمين صحي ولا توجد طوابير انتظار على الخدمات الصحية. النظام الصحي السويسري نظام غير مركزي يعتمد على سياسات الحكومات المحلية في الكانتونات. ينتخب وزير للصحة في كل كانتون ويدعمه مكتب الكانتون الصحي. ويتحمل الوزير مسؤوليات منح التراخيص لمزودي الخدمة، وتنسيق خدمات المستشفيات ومؤسسات الدعم، وتحفيز الصحة الوقائية. لا توجد رعاية صحية مجانية في سويسرا ولكن يلزم القانون كل شخص مقيم الحصول على تأمين صحي أساسي وضد الحوادث، بغض النظر عن نوع الإقامة والعمر أو الجنس. يجب على كل شخص الحصول على تأمين صحي في حد أقصى بعد ثلاثة أشهر من الولادة أو الإقامة. يقدم التأمين الصحي صناديق تأمين صحي غير هادفة للربح يزيد عددها على 80 صندوقا. تقدم الدولة إعانات للصناديق مقابل تكاليف علاج كبار السن أو زيادة أعداد المرضى، كما تقدم دعما للمستشفيات من خلال شبكات الحماية الاجتماعية وكذلك للأفراد منخفضي الدخل لمقابلة تكاليف التأمين. يدفع الأفراد مبالغ ثابتة مقابل التأمين الصحي الأساسي، وتوفر الصناديق تأمينا إضافيا مقابل بعض الخدمات الصحية غير المشمولة بالتأمين الأساسي كطب الأسنان أو العناية الفاخرة. يعمل مزودو الخدمات الصحية وصناديق التأمين في بيئة تنافسية.
يظهر تأثير النظام السياسي السويسري الاتحادي على النظام الصحي، ويتكون الاتحاد من 26 كانتونا "ولاية"، حيث تتمتع الكانتونات بصلاحيات كبيرة على أراضيها. تقوم الحكومة الفيدرالية بموجب الدستور بسن تشريعات التأمين الصحي السويسري بينما تتحمل الكانتونات مسؤولية إدارة السياسات الصحية الخاصة بها. قاد عدم مركزية النظام الصحي إلى تفاوت في أقساط التأمين الصحي بين الولايات التي تتحملها الأسر لا أصحاب العمل. وتسهم الكانتونات في تحمل تكاليف الرعاية الصحية، ولهذا يدفع قاطنو الكانتون تكاليف أقل من الوافدين مقابل الرعاية الصحية. أما على المستوى الوطني فيقوم المكتب الصحي الفيدرالي بالإشراف على تطبيق التأمين الصحي كما يحدد تكاليف وأقساط التأمين والتغطية التي يتمتع بها المرضى، وأسعار الصيدلانيات، كما يشارك الكانتونات في وضع معاير تكاليف الخدمات الصحية. وعموما تدير الكانتونات الرعاية الصحية حيث يشكل وزراء الصحة فيها مؤتمرا لتنسيق السياسات الصحية والتعاون بين الكانتونات في المجالات الصحية.
يغطي التأمين الصحي تكاليف العلاج والتنويم في المستشفيات ولكن على المغطيين بالتأمين دفع أول التكاليف لحد معين "الخصم" يبدأ من 300 فرنك حتى 2500 فرنك التي يحددها نوع التأمين المشترى. على المريض أيضا دفع 10 في المائة من تكاليف العلاج حتى 700 فرنك. يتمتع الأطفال والحوامل بمميزات مالية أفضل. تصل تكاليف الرعاية الصحية حاليا إلى نحو 10 في المائة من دخول الأسر. يوفر التأمين الصحي عدة نماذج منها نموذج طبيب المنزل أو الأسرة المتضمن ضرورة مراجعة المريض طبيب الأسرة أولا، وهو الذي يقرر الحاجة للتحويل إلى طبيب مختص أو استشاري. باستطاعة الأفراد خفض أقساط التأمين إما بزيادة الخصم أو باختيار نموذج "تلميد" الذي يمكن من الحصول على استشارة عبر الهاتف من مراكز رعاية تعطيك إرشادات للتعامل مع الحالة المرضية وإذا لزم الأمر يتم التحويل إلى طبيب أو مستشفى.
لا تسمح الأنظمة الحكومية للصناديق بحرمان أي شخص من التأمين الصحي ما دام مقيما في المنطقة التي يعمل فيها الصندوق، كما لا تسمح بزيادة أقساط التأمين من دون موافقة الحكومة. تدعم الحكومة الأفراد الذين تتجاوز تكاليف التأمين 8 في المائة من دخولهم حيث يحصل نحو 40 في المائة من الأسر على نوع من الدعم. يعيب السويسريون على نظامهم ارتفاع التكاليف حيث حلت سويسرا في المركز الثالث عالميا في تكاليف الرعاية الصحية التي تستقطع ما يزيد على 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. من جهة أخرى يرى بعض المختصين أن التكاليف غير مرتفعة مقارنة بالخدمات المقدمة حيث تتوافر الرعاية الصحية على مسافات قريبة من الجميع وتنتشر أماكن الرعاية الصحية في كل مكان.
تسعى الحكومة المركزية إلى خفض تكاليف الرعاية الصحية من خلال بعض الإجراءات كتجنب العلامات التجارية في الأدوية وتنظيم أسعارها، وإعادة هيكلة تعريفات المختبرات، وتنظيم أسعار المعدات والأجهزة الطبية، وتغيير أساليب احتساب تكاليف علاج الأمراض. مصروفات العلاج محددة في سويسرا حيث توجد لائحة عامة لتكاليف العلاج ما يوحد من التكاليف في جميع البلاد ولو نظريا مع وجود بعض الاختلافات بين الكانتونات. يتم التفاوض بين جمعيات صناديق التأمين الصحي وجمعيات مزودي الخدمات على أسعار الخدمات الصحية التي تقدمها المستشفيات والعيادات الخارجية. أما بالنسبة لتكاليف التنويم في المستشفيات فإن هناك شركة وطنية تحدد تكاليف وأسعار الخدمات التي يغطيها التأمين الأساسي. للحفاظ على جودة الرعاية الصحية تم تطوير مؤشرات جودة خدمات التنويم في المستشفيات، وذلك لمراقبة وتقويم الخدمات الصحية، كما تنشر الجمعية الصحية لجودة المستشفيات تقييما لخدمات التنويم بناء على مسوحات المرضى. تحظى التجربة الصحية السويسرية باهتمام صناع السياسات الصحية عبر العالم، حيث توفر خدمات صحية جيدة لجميع السكان ويتحمل الأفراد معظم تكاليفها.

إنشرها