مسؤولية المجتمع في بناء ثقافة الادخار

|

الادخار هو إحدى أهم المهارات الحياتية التي يتعلمها الأبناء من الآباء، ففي المجتمع يحرص الآباء على تنشئة أبنائهم على الادخار باعتبار أنه ضرورة للحياة، وبقدر ما يشعر الإنسان بأن هناك مخاطر تهدد بتآكل ثروته، أو تنذر باحتمال زيادة محتملة في تكلفة المعيشة، وهذا الأمر يعتبر من المخاطر التي تؤثر في حياة الشخص؛ إذ وجود مورد مالي كاف مهم للإنسان؛ للاستقرار والقدرة على تحمل نفقته وأسرته. ثقافة الادخار غالبا ما تضمحل عند شعور الإنسان بالوفرة المالية، وتضعف احتمالية المخاطر، ووجود رعاية مجتمعية سواء من قبل الحكومة أو الأفراد في حال وجود كارثة مالية له، من خلال التكفل باحتياجاته الضرورية، وهذا ما يفسر المبالغة في الديون الاستهلاكية لدى بعض الدول التي تجد لديها معدلات دخل عالية، ففي تقرير عن القروض الاستهلاكية في دول الخليج نجد أن حجمها كبير جدا نسبة إلى عدد الأفراد، وهذا حاصل في الولايات المتحدة؛ إذ يبلغ حجم القروض الاستهلاكية معدلا عاليا رغم الوفرة المالية وفرص العمل في الولايات المتحدة ومجموعة من الدول الأوروبية، وإذا ما نظرنا في واقع دول الخليج نجد أن الدول الأكثر وفرة ماليا من جهة الناتج المحلي مثل الإمارات أفرادها أكثر إقبالا على التمويل الاستهلاكي، وذلك من خلال مقارنة عدد السكان بحجم التمويل الاستهلاكي في المجتمع، آخذا في الاعتبار في جانب الوفرة المالية حصة الفرد من هذا الناتج العام للبلاد، وبالمقارنة نجد دولا مثل عمان والبحرين هي الأقل في نسبة الديون الاستهلاكية رغم أن حصة الفرد من الناتج المحلي أقل، فالوفرة المالية قد لا تدفع بمزيد من الادخار إذا كان الأفراد لا يشعرون بأهميته، وهنا تأتي أهمية العمل على تنمية مهارات لدى الأفراد لإدراك أهمية الادخار والعمل والبدء ببرنامج مستمر للادخار بغرض تحسين الظروف المعيشية له وتحقيق الوفرة المالية اللازمة.
في استفتاء لـ"الاقتصادية" عن الادخار لدى المواطنين، شارك مجموعة من المواطنين في هذا الاستفتاء الذي تضمن تحديد النسبة التي يدخرها المواطن من دخله، حيث شارك أكثر من 40 ألفا من المواطنين، وكانت نتائج الاستفتاء أن 67 في المائة من المشاركين في الاستفتاء لا يدخرون مطلقا من دخولهم، و8 في المائة فقط يدخرون أكثر من 3 في المائة من دخلهم، في حين توزعت النسب الباقية على 17 في المائة يدخرون أقل من 15 في المائة من دخولهم، و8 في المائة الباقية يدخرون بين 15 إلى 30 في المائة من دخولهم. فالشريحة التي شاركت وتدخر ما يزيد على 15 في المائة وهي تمثل 16 في المائة يعتبر وضعها مطمئنا نوعا ما، ولكن الإشكالية في البقية الذين تصل نسبتهم إلى 84 في المائة.
ثقافة الادخار مرتبطة بمهارات متعددة، وهذه المهارات يجد لها الفرد أهمية عندما تكون لديه قناعة بذلك أو عند وجود حاجة إلى ذلك، فالحالة الثانية هي الظروف السائدة لدى الأجيال السابقة في المملكة التي كانت تعاني قلة ذات اليد، فإدراكهم صعوبة المعيشة واحتمالات المخاطر يزيد من الحرص على ذلك، وهذه الحالة قد لا تكون سائدة لدى الكثيرين، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على الحالة الأولى من مجموعة من الخطوات التي تبدأ من نشر الوعي بأهمية الادخار، باعتبار أن له أهمية لتحقيق وفرة مالية، وأن الاحتياجات الإنسانية تتطلب وجود رصيد مالي لتملك الأصول بغرض الاستخدام مثل السكن وغيره من الاحتياجات التي تتطلب مبلغا عاليا لا يمكن أن يتحقق من خلال الادخار لمدة عام، كما من الأهمية بمكان إيجاد منافذ للاستثمار منخفض ومتوسط المخاطر بعيدا عن مرتفع المخاطر كما في سوق الأسهم الذي كان لتذبذبه أثر كبير لحالة الإحباط لدى البعض؛ بسبب قلة الوعي والاستثمار بصورة خاطئة في تلك السوق.
فالخلاصة أن نتائج استفتاء "الاقتصادية" في موضوع ادخار المواطنين المشاركين فيه تتطلب البحث في وضع ما لا يقل عن 80 في المائة من المشاركين فيه، وذلك بالعمل على تغيير سلوكهم الادخاري بما يؤدي إلى تحسين ظروفهم المعيشية في المستقبل وقدرتهم على مواجهة المخاطر المالية المحتملة، إضافة إلى زيادة قدرتهم على تملك الأصول التي يحتاجون إليها مستقبلا، ويكون ذلك من خلال مجموعة من الخطوات التي تبدأ بنشر الوعي بأهمية الادخار والترشيد في الإنفاق، إضافة إلى العمل على توفير خيارات جيدة للاستثمار منخفض ومتوسط المخاطر، الذي يحقق توازنا لمحافظ الأفراد الاستثمارية، ولا يضر بمدخراتهم بسبب تقلب الأسواق.

إنشرها