التغيير الشخصي ونصائح الخبراء

|

هناك من يريد أن يحسن من واقعه، ويبدأ في الاستماع لمن حوله، ثم يكتشف أن النصيحة كانت تجارية جدا، والخبير كان مجرد بائع، ولكن هل يعني هذا أن كل ما حولنا مجرد خدعة كبيرة؟ لا أعتقد، فهناك شواهد حقيقية حولنا لأشخاص اجتهدوا وعملوا ثم انتقلوا بحياتهم بنصائح أصحاب الخبرة والحنكة إلى مراحل أعلى بكثير من تلك التي كانوا فيها. هناك عدة متاريس تمر بنا أثناء تطبيق نماذج التغيير الشخصي، إحداها الفراغ الذي يحصل في طريقة الإصلاح؛ بسبب القفز فوق واقعنا وتجاهل القيام ببعض الخطوات المهمة.
بنظرتنا إلى واقعنا المهني نجد أن التطوير المستمر ضرورة. لنتعامل مع المسألة بجدية أكبر نجد أن الوضع يتطلب ثورة شخصية نعيد فيها ابتكار أنفسنا، ونجدد اهتماماتنا، ونستوعب بشكل أفضل الفرص المتاحة لنا. ولكن التنفيذ صعب، والتخلص من العادات السيئة شبه مستحيل، فتختلط الأمور وتتعقد التحديات ويتكرر الفشل. هنا يحضر الخبير والمدرب والموجه الرائع ليبدأ الحديث عن تحقيق الأهداف والتخطيط والتغذية الراجعة وعشرات الأمور الأخرى. ولكن هذا لا يعمل أيضا، فهو يتطلب خطوتين مهمتين يجب أن تحدثا قبل البدء في الحل: أن نكتشف المشكلة، وأن نعترف بها بكل تفاصيل واقعها المزعج. أي حلول مجزأة أو غير مكتملة هنا تعني جهدا مبذولا بلا طائل يعيدنا إلى الوضع نفسه من جديد.
سواء كان التحدي الشخصي يرتبط بمشكلة وظيفية، أو عقبة مالية، أو هدف شخصي يسعى الفرد إلى تحقيقه، نجد في العادة أن النصائح "السليمة" تفترض أن كل الخطوات السابقة للنصائح تم تنفيذها. وهذا يجانب الواقع، فدائما ما يبحث الأفراد عن حلول لمشكلاتهم الملحة ــ وربما يبدؤون في تنفيذ الحلول ــ وهم لم يكتشفوا بعد مشكلتهم الأساسية. لهذا نجد هناك من يعاني ظواهر الازدراء والبؤس والحيرة على المستوى الشخصي، ويتجرع المرارة والألم، ويحاصره التشويش وضعف الحيلة في كثير من قراراته اليومية، ويصل إلى مرحلة يفقد فيها الثقة بالنصائح. وهنا تأتي أهمية بعض المهارات والسلوكيات التي يجب اكتسابها في أثناء مرحلة اكتشاف الواقع. "قبل الاكتشاف" عبارة عن مرحلة ضياع لا داعي لوصفها و"بعد الاكتشاف" مرحلة عمل وتنفيذ والتصاق بالعادات الحسنة والأفعال المؤثرة. لكن "أثناء الاكتشاف"، وهي مرحلة بناء الوعي والفهم واستيعاب المشكلات والتخطيط لصناعة الأهداف وتصفية الذهن والتركيز والتعرف على المحفزات والحفاظ عليها، تعد في نظري أهم مرحلة، ودائما ما يتم الافتراض أن الأفراد متى ما بدأوا في التغيير فسيقومون باختيار أهدافهم وتحديدها، وهذا أمر لا يحصل بسهولة، ويتطلب تمهيدا شخصيا من نوع خاص.
على الرغم من أن سرعة وجدية التنفيذ مطلب، إلا أن الهدوء والتباطؤ مطلب مؤثر في مرحلة المنتصف "أثناء الاكتشاف". وهي في الحقيقة المرحلة التي يمكن أن نربط بها بين التغيير الحقيقي وبين النصائح التي تصلنا من الخبراء والمرشدين، وبين واقعنا الحالي وبين الواقع الجديد الذي نطمح إليه. وهذه المرحلة تتطلب قدرا من العزلة والصفاء لا يمكن استدراكها بسهولة في سيل الإزعاج الذي يحيط بنا؛ لذا ربما يجب العمل وفق استراتيجيات جديدة لم نكن نحتاج إليها قبل عشر سنوات مثلا، عندما كان واقع الإزعاج مختلفا وطبيعة التشويش أكثر لطفا مما هي اليوم. ربما يستدعي هذا الأمر الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي بعض الوقت، التعامل مع بعض التحديات الاجتماعية ــ ليس لتنفيذ الحل وإنما لفهم المشكلة أولا ــ بتحييد تأثيرهم في إدراكنا أبعاد المشكلة، أو ربما العمل على المقارنة بمرجعيات شخصية ناجحة وعملية يمكن بها تحديد النموذج المقبول الذي قد نسعى إليه. وهذا لا يحصل إذا كنا نعيش في الدائرة نفسها، ونقارن أنفسنا بما يحدث داخلها، ونبحث عن الدعم بحلول موجودة بها. لهذا يعد التنقل المكاني ــ والافتراضي ــ أحد الحلول الممكنة لتعزيز مرحلة الاكتشاف التي قد تساعدنا على اكتشاف حجم المشكلة وتيسر اكتشاف الحل.
أنا لا أقلل من نصائح الخبراء وكتب المهارات وأساليب اكتساب العادات الإيجابية، فكل هذه الأشياء تصنع أهم مدخلات خريطة الطريق الشخصية، ولكن كي تنجح هذه النصائح لا بد من تمهيد الأرض بشكل ملائم، وهذا لا يحدث إلا بالتهيئة والتفرغ الشخصي لاكتشاف الذات. عندما يعي الشخص بعد هذا الفراغ بشكل جيد تصبح حينها النصائح حلولا عملية وأفعالا جاهزة للتنفيذ، ونستطيع وقتها الاستفادة حتى من الخبير "البائع" الذي يصبح مثل حامل المسك، يصيبنا من ريحه وإن لم نبتع منه.

إنشرها