رأي القاضي وواجب الحياد تجاه المتخاصمين

|

أحاول دائما التركيز على بعض الظواهر التي نلامسها من خلال ممارسة المحاماة، التي تحتاج إلى علاج أو على الأقل نقاش وبحث علمي لا يخلو من الفائدة، حيث جاءتني بعض المداخلات على المقال السابق “كيف يكون حياد القاضي وموضوعيته”، وسأركز على عدة نقاط دار عليها الحديث.
من ضمن ما ذكرت؛ أن على القاضي تدوين كل ما يدور في الجلسة القضائية أو ما يقدمه الخصوم في الجلسة وضرورة عدم إهماله، واعترض على ذلك بعض الزملاء بأن بعض الخصوم أحيانا يقدم ما لا علاقة له بالدعوى نهائيا، وأود أن أجيب عن هذا الكلام للفائدة، علما بأن مستوى أداء القضاء يتغير كل يوم إلى الأفضل ولله الحمد، ولا يعني هذا الطرح التقليل من جهد وأداء القضاة نهائيا.
أولا يجب ذكر أنه توجد لدينا مدرستان فيما يتعلق بطريقة كتابة ضبوط الجلسات وتدوينها، حيث نجد ممارسة ديوان المظالم بما في ذلك المحكمة التجارية حاليا لا يعملون بطريقة القضاء العام من خلال إدراج اللوائح في الضبط مباشرة، بل تكون من خلال مذكرات مرفقة بملف الدعوى، والقضاة يرجعون إلى تلك المذكرات دون انتقاء وحذف لما فيها عندما يباشرون القضية والنظر فيها، ثم يأتي الحكم بتنسيق الدائرة القضائية غالبا.
أما طريقة القضاء العام فهي مختلفة وأتمنى أن يتم تحديثها قريبا، حيث إن القاضي يدون في محضر الجلسة لائحة الدعوى والجواب عنها وهكذا، كما أن نظام المرافعات نص على شفهية الدعوى، وبالتالي فإن القاضي وكذلك قضاة الاستئناف لاحقا يركزون فقط على المحاضر التي تصبح من ضمن صك الحكم لاحقا، ولا ينظرون إلى المذكرات غالبا، في حال إرفاقها بالدعوى، ومن هنا فإن واجب عدم إهمال ما يدور في الجلسة يمس الموضوعية والحياد بشكل كبير.
نحن الممارسين في المحاماة نعلم أنه في بعض الحالات “قليلة ولله الحمد إلا أنها موجودة” يمتنع القاضي حتى من إدخال الطلبات للخصوم في الضبط وكذلك عديد من الأجوبة والردود على الرغم من أن النظام يكفلها، وهذا بلا شك لا يخرج عن كونه إما إهمالا وكسلا أو تدخلا من شخص القاضي في سير الدعوى، ما يشكل خرقا للموضوعية بكل وضوح.
من هنا فالواجب على القاضي في القضاء العام أن يدخل كل ما يتعلق بالدعوى في الضبط سواء كان موافقا عليه أم لا، وعندما يطلب أحد الخصوم طلبا “أو أي دفع من الدفوع وبينة من البينات” فيجب إدخاله وتقييده، وهذا جزء أساسي من حق المتخاصمين ويلزم به النظام، ولا يعني هذا أن القاضي سيلزم بقبول الطلب ونحوه، لكنه ملزم نعم بالإجابة عنه سواء بالقبول أو الرفض وتسبيب ذلك، وهو حق نظامي للمتخاصمين. أما رفض وتدخل القاضي إدخال تلك الطلبات أو البينات أو الدفوع في الضبط بحجة عدم قبوله لها أو أي حجة أخرى؛ فهذه بلا شك مخالفة للنظام والمهنية، ومخالفة للحياد والموضوعية الواجبة، وتدخل من شخص القاضي في مسار الدعوى بلا أدنى شك.

إنشرها