المملكة .. إفاقة التنمية الشاملة

|

مؤكد أن نسبة عظمى من السعوديين وغيرهم، قرأت تفاصيل اللقاء الأخير لولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان مع صحيفة «نيويورك تايمز»، اللقاء الذي حمل في جزء منه إجابات واضحة حول التفسير الحقيقي للإجراءات الأخيرة الجريئة، التي قامت بها الدولة ــ أيدها الله ــ ضد الفساد والمفسدين، وحمل أيضا في أجزاء أخرى من اللقاء، مزيدا من التأكيدات على التوجهات الجادة للمملكة حاضرا ومستقبلا، وأنها ستسير قدما بأسرع ما يمكن في اتجاه تطوير قدراتها عموما، ضمن منظومة تنموية شاملة واسعة النطاق.
القصة بالكامل لا تقف عند مجرد إعلان المملكة حربها الشاملة على الفساد، ولا تقف فقط عند دهشة كاتب غربي له وزنه الإعلامي في الخارج لما يجري من حراكٍ سريع في المملكة، إنما اللقاء إضافةٌ جديدة ومهمة جدا في إيضاح الصورة الأكبر والأهم للإفاقة التنموية الشاملة في بلادنا، وجزء لا يتجزأ من الالتزام الذي قطعه صانع القرار على نفسه بالشفافية التامة، منذ أعلن فيه "رؤية المملكة 2030"، بمعنى أن وتيرة الإصلاحات الراهنة لم تبدأ أخيرا كما قد يعتقد البعض، وأيضا لن تقف فقط عند ما تم اتخاذه حتى تاريخه! ومن سيركن لهذه النظرة القاصرة، فلا شك أن الذهول سيرافقه طويلا مع كل إجراء أو خطوة إصلاحية ستقوم بها الدولة خلال الفترات الزمنية المقبلة.
إننا أمام مزيجٍ عملاق الحجم من المشاريع التنموية الشاملة والواسعة الحدود، جزء منه يمثل تحديات تنموية تأخر إنجازها وتحقيقها، وجزء آخر يمثل تشوهات وانحرافات تستوجب الحل والمعالجة مهما كلف الثمن، وجزء آخر بالغ الأهمية يمثل تطلعات وطموحات عالية السقف وعديدة الاتجاهات. يقتضي العمل على مواجهة وتجاوز هذا المزيج العملاق من المشاريع، امتلاك رؤية شاملة ودقيقة لآليات التخطيط والتنفيذ والمتابعة والمراقبة، وهذا تحديدا هو المنظومة الشاملة للعمل التكاملي الجاري، عملت الدولة عليه منذ بدأت برامج الإصلاح والتطوير، ويستمر العمل به خلال المرحلة الراهنة، والتأكيد على الالتزام به مستقبلا، وهو أيضا ما يسعى ويهدف ولي العهد إلى التأكيد عليه في أي حديث له مع الجميع.
هكذا تكون الترجمة الفعلية والموضوعية لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين، التي قالها في أول خطاب له بعد توليه قيادة البلاد: "لقد وضعت نصب عيني مواصلة العمل على الأسس الثابتة التي قامت عليها هذه البلاد المباركة منذ توحيدها تمسكا بالشريعة الإسلامية الغراء، وحفاظا على وحدة البلاد وتثبيت أمنها واستقرارها، وعملا على مواصلة البناء وإكمال ما أسسه من سبقونا من ملوك هذه البلاد ــ رحمهم الله ــ، وذلك بالسعي المتواصل نحو التنمية الشاملة المتكاملة والمتوازنة في مناطق المملكة كافة، والعدالة لجميع المواطنين، وإتاحة المجال لهم لتحقيق تطلعاتهم وأمانيهم المشروعة في إطار نظم الدولة وإجراءاتها"، ومؤكدا - حفظه الله - "إن كل مواطن في بلادنا وكل جزء من أجزاء وطننا الغالي هو محل اهتمامي ورعايتي، فلا فرق بين مواطن وآخر، ولا بين منطقة وأخرى، وأتطلع إلى إسهام الجميع في خدمة الوطن.. وأن التطوير سمة لازمة للدولة منذ أيام المؤسس ــ رحمه الله ــ وسيستمر التحديث، وفقا لما يشهده مجتمعنا من تقدم، وبما يتفق مع ثوابتنا الدينية وقيمنا الاجتماعية، ويحفظ الحقوق لكل فئات المجتمع".
تمثل الجهود الخيرة في حقيقتها، التي نراها اليوم على أرض الواقع، جزءا لا يتجزأ من رؤية شاملة ذات آفاق واسعة لقيادة بلادنا، تستهدف بالدرجة الأولى الوقوف بما تبرأ منه الذمة أمام رب العالمين عند احتياجات وتطلعات المجتمع السعودي بكل فئاته وشرائحه، وحينما يغيب استذكار هذه الحقائق لدى المرء، فلا عجب حينئذ أن يعتريه الذهول كلما شهد خطوة إصلاحية أو تطويرية للدولة، ولا عجب أيضا أن تجده مترقبا بنوعٍ من القلق أو عدم الثقة لما سيأتي من إجراءات، الأمر الذي لا يعني شيئا هنا، بقدر ما أن قيادة بلادنا وأهلها يمتلكان زمام المبادرة، والعمل الجاد والدؤوب على ترجمة المشروع والحلم الأكبر لنا جميعا، والتقدم بخطى ثابتة وحصيفة على طريق تحقيق تنمية شاملة لمقدرات بلادنا، تجاوزا فعليا لتحديات المرحلة الراهنة، وتأهبا حقيقيا وجادا بما يجب أن نكون عليه في مواجهة تحديات المستقبل، والوقوف على أرضٍ أكثر صلابة بين مجتمعات عالمنا المعاصر، نتفاعل مع تغيراته بما يحافظ على مصالحنا ويحققها، ويمكننا أيضا من الإسهام الإيجابي فعليا في التقدم البشري الراهن ومستقبلا. والله ولي التوفيق.

إنشرها