في الأسبوع الماضي وبناء على دعوة من الرئيس نيكولاس مادورو، سافر وفد من الممولين الدوليين إلى كاراكاس للبدء بما وصف بأنه أعقد عملية في العالم لإعادة هيكلة الديون، التي هي أيضا واحدة من أكبر العمليات وبالتأكيد واحدة من أغربها.
في عاصمة رزئت بأعلى معدل لجرائم القتل في العالم، اجتمع المستثمرون لتناول كعكة آيس كريم بيضاء في مبنى يقع مقابل القصر الرئاسي. وما زاد الإحساس غير الواقعي بوجود اقتصاد اشتراكي يرتكز على أعلى احتياطيات النفط في العالم، لكنه يعاني سوء الإدارة التي دفعت به إلى حافة الانهيار، أن الحكومة فرشت السجادة الحمراء لضيوفها واصطف حرس الشرف لهذه المناسبة.
تسعى فنزويلا إلى إيجاد حل "يرضي جميع الأطراف"، بحسب ما قال طارق العيسمي، نائب الرئيس، للمستثمرين. ستواصل فنزويلا خدمة ديونها الخارجية التي تبلغ قيمتها 150 مليار دولار، بحسب ما أكد الناشط المتشدد الاشتراكي الذي يبلغ من العمر 43 عاما - على الرغم من أن وكالات التصنيف أصدرت عددا كثيرا من إشعارات الإعسار حتى وهو يتحدث. انتهت الكلمة بعد مضي نصف ساعة. غادر المشاركون وهم يحملون هدايا من القهوة والشوكولاتة الراقية لكن الحيرة كانت لا تزال تؤرقهم. في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة عن نجاح اللقاء.
يقول بيتر ويست من الهيئة الاستشارية "إي إم فندينج": "نحن جميعا نحاول فقط معرفة ما إذا كان هناك منهج وراء جنون فنزويلا. أضاف روس دالين، المختص في السندات الفنزويلية لدى "كاراكاس كابيتال": "إن شعرتَ ببعض الحيرة، لا تأسَ على نفسك، (فلستَ الوحيد في ذلك)".
جزئيا، تأتي هذه الحيرة بسبب درجة التعقيد التي وصلت إليها سندات فنزويلا التي صدرت عن كيانات متعددة، مع فقرات قانونية متفاوتة، إلى أطراف متعددة. فنزويلا مدينة بمبلغ 64 مليار دولار لحاملي السندات، وأكثر من 20 مليار دولار للبلدين الحليفين، الصين وروسيا، وخمسة مليارات دولار لمقرضين متعددي الأطراف مثل بنك التنمية لأمريكا اللاتينية، وعشرات المليارات لشركات الاستيراد والخدمات التي تشغل صناعة النفط المهمة جدا وتبقي النظام واقفا على قدميه.
في الأغلب، رغم ذلك، تأتي حالة اللبس بسبب الفكرة التي مفادها أن فنزويلا شرعت في تنفيذ "خطة إعادة هيكلة" كلاسيكية. لم تبدأ كاراكاس بممارسات قوية مُجهِدة في تمديد فترات استحقاق الديون، والاستدامة وغيرها من المقاييس الفنية الأخرى التي تميز عادة أعمال إعادة الهيكلة للديون السيادية. بدلا من ذلك، بدأت في لعبة مقامرة قاتمة، مع عدم وجود حدود للرهانات.
باستثناء حاملي السندات، بالنسبة للاعبين الخمسة الآخرين الموجودين حول الطاولة - الحكومة والمعارضة والولايات المتحدة وروسيا والصين - الجائزة تفوق الأموال بقدر كبير. ما هو على المحك هو البقاء السياسي لهذه الحكومة، ومصير 30 مليون مواطن فنزويلي، والمصالح الجيوسياسية المتناحرة للقوى العظمى الثلاث.
يقول روبرت كاهن، وهو موظف سابق في صندوق النقد الدولي ومخضرم في شؤون أزمات الديون السيادية: "إنها لعبة معقدة فيها الكثير من الأطراف، لذلك قد تؤدي إلى نتائج سيئة. علاوة على ذلك، الكثير من اللاعبين لا يعرفون، أو لا يتفهمون الحوافز التي تحرك الآخرين".
الحكومة بكل بساطة ترغب في البقاء على قيد الحياة. وهي تخشى أن يتمكن حاملو السندات الذين يرغبون فقط في الحصول على أموالهم، من الاستيلاء على شحنات النفط التي تصدرها في حالة التعرض للإعسار، ما يحرم كاراكاس من المصدر الوحيد للدخل. ومن ثم، هناك القوى العظمى. ترغب واشنطن في كبح نظام مارق بشكل متزايد، متورط في عمليات اتجار بالمخدرات على المستوى العالمي، ويمتلك ما قيمته 15 تريليون دولار من احتياطيات النفط على بعد ثلاث ساعات بالطائرة فقط من الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، تسعى موسكو إلى استغلال المحنة التي تعانيها كاراكاس لتحصل على موطئ قدم أقوى لها في الأمريكتين. ومصالح الصين ذات طابع تجاري أكبر: بعد إقراض كاراكاس 60 مليار دولار على مدى العقد الماضي، ترغب في استمرارية الحصول على إمكانية الوصول إلى احتياطيات الطاقة الهائلة في فنزويلا.
ما يزيد في تعقيد الأمور هو ما يتعلق بقوانين اللعبة: قد لا تكون هناك أية قوانين. جميع السندات الأجنبية في فنزويلا محكومة بقانون نيويورك. لكن وجود كل من روسيا والصين على الطاولة يعقِّد أكثر خطة إعادة الهيكلة التي سيتم تنفيذها جزئيا على الأقل خارج إطار صندوق النقد الدولي أو نادي باريس.
ومن ثم، هناك الحقيقة التي مفادها أن الشخصين المسؤولين عن العملية، العيسمي ووزير الاقتصاد، سايمون زيربا، خاضعان لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة بسبب ادعاءات بالاتجار بالمخدرات وانتهاكات لحقوق الإنسان. وتعيينهما هو أوضح دليل على أن كاراكاس تتخيل أنها تعمل في عالم قانوني مواز.
أحد الأشياء القليلة الواضحة في هذه اللعبة التي يتظاهر فيها اللاعب بأنه يحمل أوراقا قوية في يده، هي أن فنزويلا لم يعد بإمكانها تحمل ديونها. قبل عشر سنوات، وسط طفرة ازدهار أسعار السلع الأساسية، حظيت فنزويلا بثروة مفاجئة تقدر بتريليون دولار من العائدات النفطية. وعندما عرضت وول ستريت احتمال إقراضها مزيدا من الأموال، أصدرت كاراكاس سندات بقيمة تزيد على 50 مليار دولار. جنبا إلى جنب مع القروض الصينية وغيرها من القروض، أدى ذلك إلى مضاعفة الديون الخارجية أربع مرات خلال عشر سنوات. تم إهدار كثير من تلك الأموال أو سرقتها - بما يعادل 300 مليار دولار، وفقا لوزراء سابقين. والآن نفدت الأموال من كاراكاس.
تتراجع الاحتياطيات الأجنبية إلى مستوى أقل من عشرة مليارات دولار، لتقترب من أدنى مستوياتها منذ 20 عاما. وتراجعت الواردات 85 في المائة خلال خمس سنوات، أسوأ بكثير من أكثر برامج صندوق النقد الدولي تقشفا. وارتفع سعر الدولار مقابل "البوليفار" في السوق السوداء سبعة آلاف ضعف السعر الرسمي، وتقلص متوسط الإنتاج اليومي من النفط - المصدر الوحيد للعملة الأجنبية - بنسبة 20 في المائة عن العام الماضي.
وبشكل حاسم بالمثل، وقعت فنزويلا في حالة من التضخم الفائق في الشهر الماضي، مع ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من 50 في المائة. وليس هناك أي اقتصاد يمكنه تحمل حالة التضخم الفائق لفترة طويلة ـ تمكن من ذلك نظام سياسي واحد فقط؛ زيمبابوي برئاسة روبرت موجابي، على الأقل حتى الأسبوع الماضي. ومع احتمال التعرض للإعسار في سداد الديون قد يكون التغيير في طريقه إلى فنزويلا أيضا.
وهذا بالتأكيد ما ترجو المعارضة حدوثه. على الرغم من أنها تعاني الانقسام والتفكك، إلا أن لديها بِطاقة قوية واحدة تستطيع اللعب بها: عقوبات فرضت أخيرا تحظر على المؤسسات الأمريكية التعامل مع مسائل إعادة تمويل الديون الفنزويلية، ما يجعل من المستحيل من الناحية العملية تنفيذ إعادة هيكلة الديون التي تسعى إليها كاراكاس. الاستثناء الوحيد هو إذا تمت المصادقة على الدين من قبل الجمعية الوطنية التي تسيطر عليها المعارضة.
نظريا، يؤدي ذلك إلى احتمال حدوث مساومة سياسية يمكن أن تنذر بتغيير أعمق. تستطيع المعارضة الموافقة على إعادة تمويل الديون. وفي المقابل تسمح الحكومة بإجراء انتخابات رئاسية حرة نزيهة وخاضعة لرقابة دولية في العام المقبل - ترجو المعارضة وأنصارها، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن تفوز فيها.
يقول لي بوشهايت، وهو شريك أعلى في "كليري جوتليب" ومحام خبير في إعادة هيكلة الديون السيادية: "من غير الواضح أنه يمكن تحقيق أي خطة تشبه ولو من بعيد خطة إعادة هيكلة الديون في ظل النظام الحالي، على الأقل في ظل غياب التقارب بين إدارة مادورو والجمعية الوطنية".
وإن كانت الحكومة تشعر بالقلق، إلا أنها حتى الآن لا تُظهِر شيئا يذكر من التوتر. في الأسبوع الماضي تحدث مادورو بأسلوبه المعروف عنه قائلا: "نحن الأمل العظيم لهذا الشعب الذي ينتظر منذ قرون". ومثل هذه اللامبالاة الواضحة ربما يكون سببها هو الانقطاع السائد عن الواقع الذي غالبا ما يستولي على أذهان الأنظمة الدكتاتورية. لكن هناك أيضا أسبابا وجيهة تجعل مادورو يشعر أن بإمكانه الرد على خدعة الولايات المتحدة والمعارضة وحاملي السندات.
يتلقى مادورو النصح والمشورة من قبل موظفي الاستخبارات الكوبية، الذين بدورهم تدربوا على أيدي خبراء الاتحاد السوفياتي، وهيمنة مادورو على البلاد تشبه أسلوب الحكم في روايات جورج أُورْويل. باستثناء الجمعية الوطنية، تخضع جميع المؤسسات لسيطرته - بما في ذلك المحكمة العليا، ووسائل الإعلام، والسلطة الانتخابية، والجيش.
هناك نقص كبير في المواد الغذائية - والكثير مما هو موجود يجري توزيعه من خلال برنامج إعانات ترعاه الدولة ويستطيع مادورو استخدامه للضغط من أجل الحصول على دعم الجمهور. المعارضة مستنفدة بعد احتجاجات جماهيرية جرت هذا العام ولم تؤد إلى إحداث أي تغيير، على الرغم من وفاة أكثر من 100 شخص. وهناك "معارضة مخلصة"، مختارة من قبل الحكومة، آخذة في الظهور.
كتبت ريسا جرايس – تارجو" من هيئة استشارات المخاطر "يوراسيا"، في مذكرة موجهة للعملاء الأسبوع الماضي: "كل هذا يضع الرئيس نيكولاس مادورو في موقف مريح"، كما أنه "يقلل بشكل كبير من احتمال تغيير النظام".
في الواقع، قد يكون هذا هو السبب في أن مادورو بدأ في إجراء محادثات تتعلق بالديون في المقام الأول. حتى التعرض للإعسار لا يعني نهاية النظام. إذ يمكنه استخدام مدفوعات الديون التي تبلغ قيمتها تسعة مليارات دولار، التي خلافا لذلك ستكون مستحقة في عام 2018، لمضاعفة مستويات الاستيراد الحالية، وبالتالي تعزيز فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وفي الوقت نفسه، يعمل المستشار القانوني في كاراكاس على إرباك مطالبات المستثمرين في المحاكم.
يقول أحد مسؤولي الاستخبارات الغربية المطلعين على الوضع: "لن تدخل الحكومة أبدا في أية مفاوضات حتى تشعر بأن ذلك هو الخيار الأفضل بالنسبة لها. وهذه اللحظة لم تأت بعد".
وبالتأكيد أيضا لم تأت لحظة العجز الرسمي عن الوفاء بالتزامات السندات ـ تستمر كاراكاس في الدفع لحاملي السندات، وإن كان بشكل غير منتظم، جزئيا بفضل الهبات المقدمة من موسكو وبكين.
في الأسبوع الماضي أعادت روسيا هيكلة ديونها الثنائية مع فنزويلا التي تبلغ 3.5 مليار دولار، ما أدى إلى تحرير الموارد لكاراكاس لتتمكن من تسديد الدائنين الآخرين. والصين، رغم ترددها في زيادة نسبة تعاملاتها مع فنزويلا التي تعادل تقريبا 20 مليار دولار، يبدو أيضا أنها تفضل الوضع السياسي الراهن.
تقول مارجريت مايرز، خبيرة شؤون الصين في حوار أمريكي ـ أمريكي جار في واشنطن: "فنزويلا هي مستنقع للصين. لكن الشعور العام هو أنها ستمنح فنزويلا أربعة مليارات دولار أخرى، أو نحو ذلك هذا العام من خلال صندوق المشاريع المشتركة - على الرغم من أنها لن تتجاوز هذا الحد بمسافة كبيرة".
هذا يعِد بأن تكون لعبة بوكر متعبة. لكن سيكون هناك حساب. ما يضمن ذلك هو حالة التضخم الفائق التي تتعرض لها فنزويلا والتراجع المستمر في إنتاج النفط. ثم إن موسكو وبكين لن تعيدا هيكلة ديونهما بلا نهاية في الوقت الذي يواصل فيه مستثمرو السندات الحصول على المدفوعات. عندما تحين تلك اللحظة، سيتعين على الأطراف الأخرى المراهنة بجميع ما لديها من أموال، أو التوقف عن اللعب.
ربما تعمل الولايات المتحدة على زيادة الرهان أولا. إذ يمكنها تصعيد إجراءات حظر السفر وتجميد الأصول الخاصة بالمسؤولين. ويمكنها أيضا إصدار عقوبات ثانوية على شركات النفط الروسية والمصارف الصينية التي تتعامل مع فنزويلا، تماما كما فعلت مع الشركات التي تتعامل مع كوريا الشمالية. وستكون أكبر العقوبات التي تفرضها واشنطن هي "الخيار النووي" المتمثل في حظر استيراد 600 ألف برميل من النفط يوميا من فنزويلا. موريسيو ماكري، رئيس الأرجنتين، أشار إلى أن أمريكا اللاتينية ستدعم مثل هذه الخطوة.
وبالنسبة لحاملي السندات، يقول بوشهايت "يتعين عليهم في وقت قريب اتخاذ قرار ما إذا كانوا يريدون أن يكونوا من السلبيين أو الإيجابيين. حاملو السندات السلبيون هم الذين ينتظرون إلى حين الحصول على مقترحات إعادة الهيكلة من الحكومة الفنزويلية. أما الإيجابيون فإنهم سيقومون بعدة أمور منها تطوير مقترحاتهم الخاصة".
الوصول إلى الرمق الأخير، يعني استخدام أوامر المحكمة للاستيلاء على شحنات النفط في حال حدوث إعسار معجل. إن نجحت تلك الاستراتيجية، مادورو، الذي اتُّهِم الأسبوع الماضي، في لاهاي، من قبل وزير العدل السابق في حكومته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، سوف يواجه خيارا قاتما.
قد ينحني أمام الضغط ويهرب للعيش في المنفى في كوبا - وهو مَخرج سبق أن اقترحه دبلوماسيون من أمريكا اللاتينية على هافانا. أو يمكنه، في الوقت الذي تتهاوى فيه عائدات التصدير، الإصرار على موقفه وقمع الاضطرابات الاجتماعية المتزايدة. وحينها سيكون دور الجيش حاسما في هذا المجال ـ الجيش لا يزال مواليا لمادورو لكنه قد لا يبقى كذلك دائما، مثلما رأينا في زيمبابوي.
تم إعداد طاولة المفاوضات، ومن المقرر وضع الرهانات على الطاولة. اللعبة ستكون صعبة، لكن العائدات من المحتمل أن تكون ضخمة. هذا الوضع مناسب جدا للمستثمرين المستعدين لخوض هذا النوع من المعارك التي عادت بأرباح ضخمة حققتها صناديق "الكواسر" التي اقتنصت السندات في عملية إعادة هيكلة السندات في الأرجنتين، البالغة 100 مليار، ثم بعد ذلك أقامت قضايا في المحكمة للحصول على التسديد الكامل بحسب القيمة الاسمية للسندات. شخص ما عليه أن يتقدم بِرِهان. يقول هانس هيومس، رئيس شركة جريلوك كابيتال، التي تعمل الآن على تشكيل لجنة من المستثمرين: "في النهاية، سوف تكسب الأطراف أموالا من فنزويلا تفوق حتى ما اكتُسِب من الأرجنتين". والعواقب الجيوسياسية والإنسانية يرجح لها أن تكون أكبر حتى مما حدث في الأرجنتين.

