«كاتسا» .. البعبع الأمريكي

|

"الإرهاب صار منظومة عسكرية في الحرب، لا تعرف الحدود"
جاك شيراك، رئيس فرنسي سابق
لنترك جانبا التهديدات الإيرانية للولايات المتحدة بـ"الويل"، إذا ما أقرت واشنطن قانون "كاتسا" الذي يفرض عقوبات على الأذرع الإيرانية الإرهابية هنا وهناك. ولندع أيضا على الهامش تصريحات إيرانية خرقاء على شاكلة "سنعتبر القوات الأمريكية في المنطقة والعالم كـ "داعش" أو تلك التعبيرات البلهاء مثل "القانون هو الثقب الأسود للعقوبات"، أو "أم العقوبات". القانون المشار إليه أقر بالفعل، ووزعت واشنطن قائمة بأسماء الأشخاص والجهات والعصابات والميليشيات التي ينطبق عليها القانون، وكلها بالطبع في قلب صناعة الإرهاب. تهديدات النظام الإرهابي في طهران، لم تلبث أن طارت مع رياح الخريف الذي شهدت بدايته إقرار القانون. هذا النظام، لا يجرؤ في الواقع على القيام بأي خطوة مباشرة ضد الولايات المتحدة، لأنه يعرف أن نهايته ستنطلق فورا. والإرهاب الإيراني المباشر ضد الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي لا يصلح لهذه الأيام.
قانون "كاتسا"، أتى "كبعض الخطوات الأمريكية" متأخرا. ولكن هذا الأمر ليس مهما الآن، خصوصا مع وجود إدارة أمريكية حاسمة في مواقفها حيال الإرهاب الإيراني العالمي. وهي تعمل بالفعل على إزالة كل الفرص الرغيدة التي قدمتها إدارة باراك أوباما السابقة لنظام يتصدر الإرهاب. والأهم من هذا وذاك، أنها لن تتردد في توجيه الضربات العسكرية اللازمة في أي مكان يؤذي نظام علي خامنئي. ولعل هذا ما يفسر بعض التعليقات من جهات محسوبة على هذا الأخير، أن "كاتسا" لا يهدف للضغط على النظام فقط، بل يشجع على تغيير النظام نفسه. ولو حصل هذا الأمر بالفعل، لاختصرت المدة الزمنية للحرب على الإرهاب، لماذا؟ لأن إيران بعصاباتها ومخططاتها الإجرامية هنا وهناك، هي من يتصدر المشهد الإرهابي.
لا شك أن إدارة دونالد ترمب خطت خطوات واسعة لمعاقبة إيران التي تنشر الرعب والقتل والفوضى في غير بلد عربي، بل تقوم أيضا بواحدة من أكثر الأعمال دناءة وإجراما بتغييرها البناء الديموغرافي في بعض البلدان، ناهيك عن الإرهاب بالوكالة. والإدارة نفسها نزعت الامتيازات "الأوبامية" عن إيران. غير أن الأمر ليس بهذه الصرامة على صعيد البلدان الغربية الأخرى التي من المفترض أنها تشكل التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، خصوصا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وعلى وجه الخصوص تسير أوروبا بسرعات بطيئة عن السرعة الأمريكية بهذا الصدد، لسبب وحيد، هو أن هذه القارة باتت صوتية أكثر منها فاعلة. صحيح أنها لا تخرج عن النطاق الأمريكي العام، ولكن الصحيح أيضا أن سياسييها باتوا يقبعون بين سماحة أوباما البلهاء مع إيران، وصرامة ترمب الواضحة معها.
هناك عقوبات تفرضها البلدان الأوروبية على إيران، لكنها تراجعت بصورة كبيرة في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي المهزوز مع طهران. والحق، إن الاتحاد الأوروبي بدا في أعقاب هذا الاتفاق كأنه غير مصدق أن بإمكانه العودة إلى إيران بشركاته وأموال التمويل والتسهيلات المصرفية المختلفة. ورغم تردد بعض الشركات الأوروبية في دخول السوق الإيرانية خوفا من الأمريكيين وعقوباتهم المحتملة عليها، إلا أن البعض الآخر من هذه الشركات عاد بقوة، بما فيها مؤسسات نفطية وتلك المختصة بصناعة الآليات وغير ذلك. ومع تحدي نظام خامنئي العالم بتطوير وتجربة الصواريخ الباليستية، لم يغير الاتحاد الأوروبي شيئا حيال العقوبات. ومن هنا، أسرعت الإدارة الأمريكية للتأكيد علنا، أنها تدعم أي خطوة أوروبية ضد إيران بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية، إضافة "طبعا" لتورطها في تأجيج الصراعات والنزاعات في الشرق الأوسط.
ستتقدم أوروبا لاحقا خطوات في هذا المجال، لأن البلاهة السياسية التي أدمنتها لا تزال موجودة على الساحة. لنترك تلك "الهالة" التي اكتسبتها أوروبا في التعاطي السياسي مع المشكلات الكبرى. فأدوات الماضي لا تنفع مع معطيات الحاضر. ما هو مجد بالفعل، أن يكون التحرك ضد إيران واضحا وصارما فيما يتعلق بالعقوبات، لاسيما أن النظام الإرهابي الحاكم فيها، يمكنه الوصول إلى التمويل المالي اللازم عبر طرق لا حصر لها، ناهيك بالطبع عن سيطرته الكاملة على اقتصاد البلاد، وتحويل جانب كبير من الإيرادات لدعم عملياته الإرهابية هنا وهناك، والتوسع بالاحتلال لهذه المنطقة أو تلك. وقانون "كاتسا" نفسه "على صرامته" لا يحقق الأهداف المرجوة في تجفيف المنابع المالية لعلي خامنئي.
الإرهاب الإيراني لن يستهدف الولايات المتحدة فقط، كما أنه لا يستهدف دول المنطقة وحدها. إنه إرهاب صمم للانتشار حول العالم، وعلى الأوروبيين أن يخرجوا من تلك "العباءة" الهادئة في التعاطي مع قضية تتطلب مواقف وإجراءات وقرارات وقوانين حاسمة سريعة، خصوصا أن النظام الإيراني حصل على أكبر قدر من الفرص قبل وبعد مرحلة أوباما، الذي أراد أن يحقق نتائج تاريخية من خلال اتفاق مروع. كان حلما لهذا الأخير أخرجه على الساحة كابوسا مع زواله من الحكم.

إنشرها