الآثار الإيجابية للقضاء على أشكال الفساد

|

تأكد سابقا في أكثر من مقام ومقال؛ إثبات وقوف الفساد بأشكاله كافة خلف أغلب التشوهات والمعوقات التنموية، بدءا من ترهل أداء الأجهزة الحكومية، وانخفاض مستوى خدماتها، وتعثر تنفيذ كثير من مشاريعها، عدا تشبع إجراءات التعامل معها بما لا حصر له من المعوقات البيروقراطية، التي أفضت لاحقا إلى رواج أشكال الفساد الإداري والمالي للقفز على تلك المعوقات المفتعلة. مرورا بسيطرة أشكال الاحتكار على الأراضي، وتحويل أحد أهم عناصر الإنتاج في الاقتصاد والانتفاع المجتمعي إلى مخزن للثروات والأموال، زاد من لهيب أسعارها اندفاع جزء من الأموال الباحثة عن فرص استثمارية ولم تجدها نحو المضاربة على ما بقي محررا من تلك الأراضي، ليغوص على أثر ذلك كل من البلاد والعباد في براثن شبكة هائلة من حلقة التضخم المتصاعدة، ضربت بآفاتها الآثمة تكاليف الإنتاج والتشغيل وتكلفة المعيشة، وأعاقت عاما بعد عام أغلب محفزات النمو والاستقرار الاقتصاديين، وضغطت كثيرا على دخول الأسر والأفراد وأوقعتها في ورطة قروض مصرفية لا نهاية منظورة لها، إما نتيجة ارتفاع تكلفة تمويل شراء المساكن، وإما نتيجة اضطرار أغلب الأفراد للاقتراض استهلاكيا لمواجهة ارتفاع أعباء المعيشة والإيجارات تحديدا. كان غول تضخم أسعار الأراضي والعقارات المسؤول الأكبر عن كل هذا.
لم يقف سوء الأمر عند ما تقدم من آفات، بل تجاوزه إلى إعاقة النشاط الاقتصادي عموما، وتحديدا في أروقة القطاع الخاص الذي واجه كثيرا من التحديات من جراء ارتفاع تكلفة البنود المختلفة للتشغيل والإنتاج من جهة، ومن جهة أخرى تقلص القوة الشرائية لمجتمع المستهلكين لخدماته ومنتجاته، أفضى به في جوانب من نشاطاته إلى اللجوء بدرجة أكبر إلى الاستقدام على حساب التوطين، وإلى التخلص من العمالة الوطنية تحت مظلة مواد نظام العمل الجديد، أو التورط في مخالفات التوطين الوهمي بأجور زهيدة، وجميعها أخطاء يتحملها لا شك أرباب منشآت القطاع الخاص، إلا أنها في النتيجة النهائية أفضت إلى ارتفاع معدل البطالة حتى وصل مع منتصف العام الجاري إلى 12.8 في المائة، وإلى وجود نحو نصف العمالة الوطنية في أروقة القطاع الخاص تحت مستويات أجور لا تتجاوز ثلاثة آلاف ريال شهريا، وهو النمط الاقتصادي والاجتماعي الذي لا يمكن استدامته بأي حال من الأحوال.
أضف إلى ما تقدم، وأمام المشهد السابق المشار إليه أعلاه، المكتظ بكثير من التشوهات والتعقيدات أمام الاستثمار في بيئة الأعمال المحلية، أن أصحاب الأموال والثروات وجدوا أنفسهم مرغمين على التوجه أكثر نحو تكديس ثرواتهم أو المضاربة بها في سوق الأراضي والعقارات، التي أصبحت تقدم عوائد لا ينافسها أي نشاط آخر، وهو النمط من تدوير الأموال والثروات الهائلة في مجرد شراء وبيع أراض دون أي تطوير لها، والفوز بهوامش أرباح هائلة، في الوقت ذاته الذي لم تعد بأي قيمة مضافة تذكر على الاقتصاد الوطني، ولم تؤد إلى إيجاد فرص عمل مجدية أمام مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات الباحثين عنها، بل على العكس من كل ذلك؛ وجدنا أنها أسهمت دون إدراك من أرباب تلك الأموال والثروات في زيادة الضغوط والتشوهات على كاهل الاقتصاد والمجتمع.
بناء عليه؛ سيؤدي التوجه الجاد والجسور للدولة نحو محاربة الفساد بكل أشكاله، واعتماد منهجية ضربه من الأعلى إلى الأسفل إلى عكس كل ما تقدم ذكره، والعودة بمقدرات الاقتصاد والمجتمع على حد سواء نحو مناطق تخدم الجميع، لا مجرد تسخيرها لخدمة الأيادي العابثة والمفسدة على حساب البلاد والعباد. المنهجية التي ستقضي في ضوء ما تم إعلانه حتى تاريخه على مختلف أشكال سرقة ونهب أراضي الدولة، التي أظهرت الإجراءات الجادة لوزارة العدل بتوجيه سام من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، باستعادة تلك الأراضي وإلغاء الصكوك التي صدرت دون وجه حق عليها "ناهزت مساحتها حتى تاريخه 3.0 مليارات متر مربع"، وإعادة توجيهها نحو تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع، أن من شأنه في أول مرحلة أن يهوي بالفقاعة العقارية المفتعلة من جذورها إلى أسفل قاع، وأن يخرج البلاد من براثن إحدى أكبر أزماتها التنموية ممثلا في أزمة الإسكان، ولا غرابة حينئذ أن تجد أسعار الأراضي والمساكن حتى تكلفة إيجاراتها قد فقدت أكثر من ثلاثة أرباع قيمتها، وأن يتسبب القضاء على أكبر وأهم أسباب الأزمة العقارية والإسكانية "الاحتكار، المضاربة" في عودة التوازن المفقود إلى السوق، وإنهاؤه لدوامة مفرغة من العشواء العقارية دامت لأكثر من أربعة عقود، دفع ثمنها الباهظ الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، فيما حظي بفائدتها الضيقة جدا حفنة من المستفيدين حصريا، كان أرباب الفساد المالي والإداري على رأس هرم تلك الحفنة من المستفيدين، دون النظر إلى بقية المتسلقين "مضاربين، سماسرة إلخ" لتلك الحفنة ممن استفاد دون فهم منه أو إدراك لحقيقة ما كان يجري من تشوهات خطيرة جدا داخل السوق.
كما سيثمر الإصلاح ومحاربة الفساد عن تنقية وتطهير بيئة الأعمال المحلية من كثير من الآفات، التي تشكلت وجاءت نتيجة وجود واتساع الفساد، وتحولها من ثم إلى بيئة أكثر تنافسية، تتخلص أولا من أشكال الاحتكار وعدم المنافسة، لتفتح الأبواب والنوافذ المغلقة سابقا، وتصبح الفرص على عدالة تامة أمام جميع الأفراد دون تمييز، وتتخلص من الحظوة غير العادلة التي طالما حظي بها أفراد على حساب أفراد، وتحديدا تلك التي استأثرت بها جنسيات أخرى غير مواطنة، إضافةً إلى زيادة اجتذاب الأموال والثروات الوطنية نحو الاستثمار والتشغيل والإنتاج، على عكس ما كانت عليه سابقا من زيادة توجهها نحو شراء وبيع مجرد أراض قفار دون أي تطوير أو استخدام، الذي سيؤدي بدوره إلى إيجاد مئات الآلاف من الوظائف وفرص العمل الكريمة أمام المواطنين والمواطنات، ويسهم بدوره في زيادة تحسن مستويات معيشتهم، ويحصن بذلك الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بشكل عام.
ختاما؛ إننا على موعد قريب بمشيئة الله تعالى من تحقق كثير من الخير والنفع العام، الذي سينعكس بتوفيق الله تعالى إيجابيا على بلادنا وأهلها. والله ولي التوفيق.

إنشرها