الصين والغرب في مباراة التكنولوجيا الفائقة

|

العالم يشهد أحداث مباراة ساحتها الصناعة والتكنولوجيا ولاسيما في تقنية المعلومات والاتصال. هذه المباراة ليس فيها لاعبون ومشاهدون. الكل لاعب والكل مشاهد. وليس فيها حكام يعملون ضمن ملاعب ضيقة.
ساحة هذه المباراة التي يتبارز فيها الكبار لامتلاك ناصية الثورة الصناعية والتكنولوجية الحديثة هي الدنيا برمتها وتستهدف المليارات السبعة الذين يشكلون سكانها حاليا.
بعد عقود من سيطرة الإنسان على الآلة، صرنا على أعتاب عصر تسيطر فيه الآلة على نفسها وتدير شؤونها بذاتها وتستقبل المعلومات وتحللها وتنفذ ما يأتيها من طلبات وأوامر ليس من الإنسان بل حتى من آلات أخرى.
إنه عصر الأتمتة "الآلية الذاتية". أغلب الأجهزة والمكائن والآلات لن يحتاج إلى وجود الإنسان بجانبها أو قربها كي تعمل. الآلة ستحل مكان الإنسان وتنفذ بدقة متناهية وحدها وبنفسها ما كان الإنسان يقوم به وهو واقف على رأسها.
والآلات والمكائن والأجهزة التي كانت تشكل المصانع الكبيرة والصغيرة لن تكون مثل ما هي عليه الآن. ستتغير شكلا ووزنا وحجما ووظيفة إلى درجة أن عددا محددا من الآلات الصغيرة قد ينوب مقام معمل برمته بمكائنه وأقسامه المختلفة.
هذا لم يعد جزءا من الخيال العلمي. من كان يصدق أن آلة ذكية صغيرة جدا، مثل الهاتف الذكي الذي نحمله في جيوبنا، سيؤدي وظائف كان يتطلب القيام بها الاستناد إلى أجهزة كثيرة ومتعددة وثقيلة الحجم. ومن ثم إن تلك الأجهزة العديدة لم تكن على تواصل رقمي مباشر من حيث الزمن والمكان مع بعضها ولم يكن بمقدورها تخزين المعلومات والتصرف بها عند الحاجة.
الهاتف الذكي يسمح لنا اليوم بأداء وظائف كثيرة وبصورة متقنة وبسرعة مذهلة لم تكن في الحسبان قبل اختراعه في عام 2007. في غضون عشر سنوات تطور هذا الهاتف وبشكل مذهل من حيث الأداء والوظيفة والطاقة التخزينية.
في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم زودتني وكالة رويترز بهاتف يعمل عبر الأقمار الصناعية أثار كثيرا من الحسد والغيرة لدى زملائي الصحافيين من الوكالات الأخرى رغم أن وزنه كان يبلغ نحو 40 كيلوجراما ويحتاج إلى نحو 40 دقيقة للإحماء كي يعمل بصورة مرضية.
وإن أردنا إرسال صورة واحدة بواسطته فإن عملية الإرسال كانت تحتاج إلى نحو ساعة واحدة. ومنحتني الوكالة حاسوبا كان في الإمكان ربطه بالهاتف، إلا أن سعة التخزين لهذا الحاسوب لم تكن تتجاوز ستة آلاف كلمة.
كان الفريق الصحافي لوكالة رويترز الذي يعمل في معيتي يتألف من ثمانية أشخاص وعدة أجهزة ثقيلة. إضافة إلى الهاتف الثقيل هذا، كان هناك مصور مع كاميرا ثقيلة، ومصور تلفزيوني مع كاميرا تلفزيونية ثقيلة، وعامل الصوت الذي يحمل الميكرفون، وجهاز التسجيل الذي كنا نستخدمه في المقابلات والمؤتمرات الصحافية، وأشخاص للمونتاج والتحرير.
صحافي في مقامي اليوم قد لا يحتاج إلا إلى هاتف ذكي ومساعد واحد فقط.
ثورة الهاتف الذكي يجري تطبيقها وبمواصفات أكثر دقة من حيث التقنية على المصانع والخدمات. والدولة الرائدة في هذا المجال كانت ألمانيا التي صار كثير من المعامل الكبيرة فيها بمنزلة غابات صغيرة من المكائن والآلات لا وجود يذكر للإنسان فيها ولكنها تؤدي كل وظائف معمل كبير على أكمل وجه.
وبدأت الثورة الصناعية المذهلة هذه تنتشر في أوروبا الغربية التي توجه أغلب استثماراتها فيها. وبواسطة هذا الثورة الصناعية الجديدة استطاعت أوروبا الغربية ــ التي كان البعض يطلق عليها أوروبا العجوز ــ الوقوف على قدميها.
الثورة الصناعية هذه قلصت النفقات من حيث المواد الأولية والأجور وزادت في متانة ونوعية المنتج بحيث صارت تنافس فيه الطوفان السلعي القادم من جنوب شرق آسيا ولاسيما الصين.
بيد أن الصين لم تقف مكتوفة الأيدي، فإذا بها تدخل هذا المضار من أوسع أبوابه إلى درجة أن مساحات شاسعة فيها بمعاملها وخدماتها وسكانها دخلت مضمار الثورة الصناعية الجديدة. وللصين خطة طموحة ستمكنها من امتلاك ناصية الثورة الصناعية والتكنولوجية الجديدة ومنافسة الغرب فيها لا بل بزه في حلول عام 2025.
نحن مقبلون على عالم جديد حقا، فيه تتمكن الآلة من خدمة نفسها بنفسها والتواصل مع بقية الآلات ليس فقط ضمن نطاق محيطها بل على مستوى العالم وكذلك تقديم أي خدمة يحتاج إليها البشر أو تحتاج إليها شقيقاتها من الآلات والمكائن الأخرى بيسر وبأقصى درجات المتانة والدقة والسلامة.

إنشرها