كيف يحدث التغيير؟

|

يختلف التغيير من حيث نوعه، وهل التغيير على مستوى الفرد، أم على مستوى الجماعة، أم على صعيد المجتمع بكامله؟ ولإحداث التغيير يلزم الأخذ في الاعتبار أمورا عدة، ومن دونها لا يمكن تحقيق التغيير بالصورة المطلوبة، فالتغيير على المستوى الفردي، كالإقلاع عن التدخين على سبيل المثال يحتاج إلى إرادة ذاتية، وإصرار، وصبر على المتاعب، أو الصعوبات التي تعترضه، مع أهمية وجود برنامج تغيير يسير وفق مبدأ التدرج، إذ قد يستحيل إقلاع البعض فجأة لصعوبة ذلك عليهم، أما التغيير على مستوى الجماعات فيتحقق من خلال مبدأ القدوة، حيث يتأثر أفراد الجماعة برئيسها، أو بأحد أفرادها ذوي الشخصية الكاريزمية المقنعة، بما يتبناه من فكر، أو اقتناع بسلوك، أو أي فعل.
نظام المجموعات الصغيرة يعمل به لإحداث التغيير من خلال النقاش داخل المجموعة حول الموضوع المراد تغيير القناعات حوله، وذلك بهدف معرفة الاتفاق، والاختلاف بين أفراد المجموعة في رؤاهم، ومدى الاختلاف إن وجد، مع إمكانية معرفة أسباب الاختلاف، ثقافية أو نتيجة الخبرات، ومستوى النضج لكل فرد، ليتم بناء على ذلك رسم الأسلوب المناسب لإحداث التغيير بما يتناسب مع ظروف المجموعة، وأفرادها.
التغيير على المستوى الاجتماعي، إما أن يتم من الأعلى على شكل قرارات تتخذها السلطة، كما فعل ماوتسي تونج، حين تبنى برنامج الثورة الثقافية ليحدث هزة عنيفة في قناعات الناس، ومبادئهم، وقيمهم، وسلوكهم، إلا أن أسلوب التغيير من الأعلى إلى الأسفل، أو ما يسميه البعض التغيير الثوري لا يضمن إحداث التغيير بالشكل الذي يحقق الأهداف المبتغاة. العالم العربي شهد خلال العقود الماضية انقلابات عسكرية تبنى أصحابها رؤى وفلسفات اجتماعية واقتصادية وتربوية من خلال القرارات الفوقية، لكن هذا الأسلوب تحطم على أرض الواقع لشعور الناس بعدم الرضا، والقناعة بما تم فرضه بالقوة، وليس من خلال القناعة. ولعل ما يعرف بثورة الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر، وما أعقبها من تغيرات في النظم الاقتصادية، وتغير في الفكر، والثقافة ذات الطابع الاشتراكي خير مثال على التغيرات الفوقية فاقدة التدرج الطبيعي الذي يوصل الناس إلى قبول التغيير والسعي لتحقيقه، لذا انتهت تجربة التغيير هذه إلى كارثة يعانيها المجتمع المصري حتى الآن.
الأسلوب الآخر في التغيير الاجتماعي يأخذ أسلوب التغيير التدريجي عبر مراحل زمنية، تتناسب مع التحولات الثقافية، ومستوى التعليم، والوعي، والوضع الاقتصادي، إضافة إلى البيئة المحيطة، أو ما يعرف بالوضع الإقليمي المحيط بالمجتمع المراد إحداث التغيير فيه. إن أسلوب التغيير التدريجي يتحقق من خلال زرع القناعات الفكرية قبل كل شيء، وبما يضمن دخول الجميع في دائرة خدمة التغيير، والمشاركة في برامج اقتصادية، وثقافية، وتربوية، وإعلامية.
التغيير الصحيح يتحقق عند إدراك المبادئ التي يقوم عليها، وتفعيل هذه المبادئ، ومن المبادئ ضرورة إدراك أن التغيير عبارة عن تفاعل بين طرفين، مستقبل ومرسل، قد توجد بينهما مشتركات، ومن المؤكد أنه تجود بينهما اختلافات، هذه الاختلافات لا يمكن إغفالها عن التفكير في إحداث التغيير، وتكون أساسا للرفض، والمقاومة، إذا لم تكن هناك قناعة ممن يستهدف في إحداث التغيير لديه. التفاعل بين المرسل والمستقبل من الممكن أن يكون تفاعلا إيجابيا ومقنعا، أو تفاعلا سلبيا يشعر فيه المستقبل بتهديد قيمه، أو مصالحه، ما يجعله متهيئا لرفض التغيير نتيجة الهواجس، والمخاوف، ولذا فالشفافية، وطرح القضايا للنقاش، والتدارس يزيد من فرصة القبول والاقتناع وحدوث التغيير بسلاسة وقلة خسائر مادية ومعنوية.
التغيير الكبير، أو الشمولي يتطلب سلطة تتبنى عملية التغيير، وتكون بيدها إمكانات مادية وبشرية مؤمنة بالتغيير، وعن قناعة دون أي شعور بفرض التغيير وفوقيته، كما أن التغيير بحد ذاته ثقافة يجب التعريف بها من خلال المنابر الإعلامية. ثقافة التغيير من شأنها خلخلة منظومة القيم السائدة، لإسقاط ما ليس بالمناسب، وإحلال ما يعتقد أنه المناسب، وإن لم يتحقق إسقاط بعض القيم يتم إضعافها، حتى لا تتحول إلى قوة مناهضة للتغيير. من مبادئ التغيير الأساسية اعتبار التعليم القناة المهمة، فبالتعليم تتغير الأفكار، والمشاعر، والاتجاهات، وتبنى المهارات وتتشكل شخصيات الأفراد، وما التحول الذي حدث في المملكة إلا من خلال التعليم.

إنشرها