جوال الجيل الخامس .. ماذا يحمل إلينا؟

|

عندما نتواصل مع الآخرين من دون أسلاك اتصال، نرسل أو نستقبل، أو نفعل الاثنين معا، من الحركة أثناء استخدام الهاتف الجوال، أو من السكون أمام الحاسوب، أو أمام التلفاز، فإن هناك وسيلة مخفية ترافقنا لتسمح لنا بذلك، وتقوم بنقل إشارات المعلومات بيننا وبين الآخرين، كما نريد. هذه الوسيلة المخفية هي "الطيف الترددي" الذي أوجده الله لنا في الطبيعة لنكتشفه، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ونستخدمه ونستفيد من معطياته بعد ذلك.
تملك الدول عادة هذا الطيف فوق أراضيها، وتسخره لمصالحها، بما في ذلك تأجير مجالات منه لشركات الاتصالات كي تقوم بتقديم خدمات الاتصالات اللاسلكية المتعددة للسكان والمؤسسات، بما في ذلك خدمات الجوال، وغيرها. ويستخدم الطيف الترددي ليس فقط في الاتصالات اللاسلكية على سطح الأرض، بل في الاتصالات اللاسلكية الفضائية بيننا وبين أقمار الاتصالات، وبيننا وبين المركبات الفضائية في رحلاتها الاستكشافية المختلفة.
هناك مشكلة رئيسة في مجال الطيف الترددي تتمثل في محدوديته، أي في مدى قدرته على استيعاب حمل حركة الاتصالات اللاسلكية. صحيح أن هذا المجال قد توسع في الماضي، وهو قابل للتوسع في المستقبل، إلا أن هذا التوسع يبقى محدودا، خصوصا عند المقارنة بتزايد الطلب على الاتصالات اللاسلكية، بأشكالها المختلفة. وقد استطاعت البحوث التي أجريت في هذا الموضوع، في السبعينيات من القرن العشرين، إيجاد فكرة تستطيع، في حال التمكن من تطبيقها، أن تحل مشكلة محدودية مجال الطيف الترددي.
تتلخص هذه الفكرة في إمكان إعادة استخدام مجال الطيف الترددي مرات عديدة ضمن حدود المدينة الواحدة، ودون تداخل إشارات المعلومات بين المستخدمين. والسبيل إلى ذلك هو تقسيم المدينة إلى مناطق صغيرة، تدعى عادة "خلايا Cells"، بحيث يجري منع استخدام ترددات الطيف المستخدمة في خلية من الاستخدام في الخلايا المجاورة التي تستخدم ترددات أخرى، ولكن يسمح باستخدامها مرة أخرى في الخلايا الأبعد. على أساس هذا المبدأ يمكن استخدام الطيف الترددي المتاح عددا من المرات في المدينة الواحدة، وبالتالي استيعاب حمل حركة الاتصالات اللاسلكية المتزايد، والأمر بالطبع أسهل من ذلك على الطرق وفي نطاق القرى الصغيرة.
وإذا كنا نطلق اسم "الجوال" على هواتفنا اللاسلكية، فإن بعض البلاد العربية الأخرى يدعونه "الخلوي" أو حتى "الخليوي" نسبة إلى التقسيم إلى خلايا. وتجدر الإشارة إلى أن التقدم الكبير في علم الإلكترونيات، والوسائل التقنية التي أسهم في إيجادها، كانا وراء تمكين تطبيق فكرة الاتصالات اللاسلكية الخلوية، وإتاحة إعادة استخدام الترددات مرات ومرات لاستيعاب الطلب على الاتصالات اللاسلكية من الحركة، ومن الثبات.
بدأ "الجيل الأول" من أنظمة اتصالات الجوال الخلوي في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن العشرين؛ وكان يعتمد على ما يعرف بـ"الاتصالات التماثلية Analogue" الأقل قدرة على مقاومة التشويش. وفي مطلع التسعينيات، جاء "الجيل الثاني" ليستخدم الاتصالات الرقمية Digital ويعطي نوعية اتصالات أفضل. وقد كانت المشكلة الرئيسة في كل من هذين الجيلين هي اقتصارهما على الاتصالات الصوتية، وعدم توفير إمكانية اتصالات البيانات. لكن الأمر لم يستمر طويلا حتى جاء الجيل "الثاني ونصف 2.5" في منتصف التسعينيات ليوفر هذه الإمكانية ولكن بسرعة إرسال واستقبال منخفضة.
وقبيل نهاية القرن العشرين للميلاد، برز "الجيل الثالث" ليقدم تحسينا في سرعة نقل البيانات، حيث وصلت هذه السرعة إلى 384 ألف بتة في الثانية kbps؛ والبتة هي حالة الصفر أو الواحد، حيث يحتاج إرسال الحرف الواحد إلى ثماني بتات؛ أي أن هذه السعة بلغت أكثر من خمسة آلاف كلمة في الثانية الواحدة. وفي السنوات الأولى من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وصل "الجيل الرابع" ليزيد هذه السرعة بأكثر من 260 مرة.
في العمل على تقديم "الجيل الخامس"، برزت مشكلتان رئيستان أمام المصممين. المشكلة الأولى هي مشكلة زيادة الطلب على استخدام الجوال خصوصا في الأماكن المزدحمة داخل المباني وخارجها، إضافة إلى ازدياد الحاجة إلى مزيد من السرعة في إرسال البيانات وتبادلها. والمشكلة الثانية هي ارتفاع الحاجة إلى الطاقة مع زيادة الاستخدام وزيادة سرعة البيانات. وتقدر كمية الطاقة المستهلكة في اتصالات الجوال، طبقا لكتاب نشرته دار "وايلي Wiley" عام 2015، بنحو 5 في المائة من مجمل استهلاك الطاقة في العالم. وهي نسبة لا يستهان بها، خصوصا مع توقعات الزيادة في الاستخدام، وتزايد الطلب على السرعة.
وبناء على المشكلتين السابقتين، يتطلع مصممو "الجيل الخامس" إلى تحقيق هدفين رئيسين يتمثلان في بناء نظام يحقق:كفاءة أعلى في استخدام الطيف الترددي لاستيعاب الطلب المتزايد على الاستخدام وزيادة سرعة البيانات؛ وكفاءة أعلى في استخدام الطاقة للحد من الحاجة إليها، والحد بالتالي من أثر ذلك في التلوث البيئي.
وهناك هدف ثالث لا ينظر إلى المشاكل القائمة فقط، بل ينظر إلى الآفاق المستقبلية، مثل التكامل مع المعطيات المتجددة في تقنيات المعلومات والاتصالات مثل إنترنت الأشياء، وتطبيقات المدن الذكية، وأساليب معالجة البيانات الكبرى، والحماية من تحديات "الفضاء السيبراني"، التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة. ويضاف إلى ذلك السعي إلى تقديم إمكانات متجددة تعطي استخدامات جديدة غير مسبوقة للجوال، يمكن الاستفادة منها في شتى مجالات الحياة.
ولعلنا نلاحظ، على أساس ما سبق، أن الخبرة المطلوبة في التصميم المنشود لا تقتصر على مختلف فروع مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، بل تشمل أيضا مجال الطاقة ومتطلباته الأخرى. وهذا مثال على الحاجة إلى بحوث متعددة المجالات في إطار مجموعات بحثية متعددة الخبرات، من أجل تقديم منتجات تفيد الإنسان وتستجيب لاحتياجاته القائمة والكامنة، ليكون ريع ذلك عائدا يدعم التنمية ويعزز استدامتها.
تقول التوقعات إن "الجيل الخامس" سيكون بين أيدينا عام 2021م، أي بعد نحو أربعين عاما على ظهور الجيل الأول. وبالطبع لن تكون هذه نهاية المطاف، بل ستكون هناك أجيال قادمة في المستقبل. ولعله من المفيد القول إن علينا ألا نعتبر جوال الجيل الخامس وسيلة لمزيد من الرفاهية فقط، بل أن نفكر، ومن الآن، في تطبيقات جديدة مبتكرة ومفيدة، ربما تشمل تقديم نماذج عمل وإدارة جديدة، في مختلف المجالات، قابلة للتسويق والإسهام في التنمية.

إنشرها