قديمك أيها التاجر ليس نديمك

|

منذ بداية تدفق الثروات إلى الخزانة السعودية مع الإنتاج التجاري للنفط أخذ القطاع الخاص في التطور والأعمال التجارية في النمو المتسارع وبوتيرة عالية، خصوصا في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، أسهمت في بروز وتشكل عائلات وأسماء وكيانات تجارية ضخمة استمرت في النمو خلال الـ 40 سنة الماضية، مع تغير ليس بكبير في خريطة الأسماء، لكن تظل هنالك أسماء تجارية حافظت واستمرت في الوجود في مختلف القطاعات الاقتصادية سواء في قطاع العقار، المصارف، الصناعة أو التجارة العامة، لكن هنالك سرا مثيرا في كيفية تكون ثروات هذه الكيانات "في الأغلب وليس الكل"، وهي أنهم يملكون عاملا مشتركا أسهم بشكل كبير في تعظيم ثرواتهم بشكل أكبر من القطاعات التي يصنفون عليها أو تقوم أنشطتهم عليها، ألا وهو العقار وبالأخص البيع والشراء في الأراضي البيضاء "مطورة وغير مطورة"، وهي - كما أقيمها - التجارة الأقل كفاءة وفائدة للبلد وبدون أي مساهمة حقيقية للناتج المحلي، وهذه المعلومة تقودنا إلى السؤال الأهم: هل فعلا لدى الجيل السابق "الذي استفاد من طفرة لم يخطط لها جيدا" المقدرة على النجاح اليوم في الاقتصاد ونماذج الأعمال الجديدة؟ أعتقد أنه لن يستطيع بل أؤكد أن كثيرا من الكيانات التجارية لولا متاجرتها في العقار أو لولا ارتكازها قديما على مصارف يملكون فيها لم يكونوا ليستمروا إلى هذا اليوم في أنشطتهم الأخرى، مثل الصناعة والتجارة، بمعنى آخر، كثير "وليس الكل" من الأسماء التجارية الموجودة اليوم لا تملك الكفاءة ولا المرونة للتنافس من تلقاء نفسها أو من خلال جودة إدارتها للأعمال، وأنا أتكلم هنا عن الماضي، أما الحاضر والمستقبل فهما أشد وأصعب عليهم إذا استمروا بنفس العقلية والإدارة، إن كثيرا من الكيانات كانت تدار بطريقة التحكم الشديد في المصاريف وعدم الاستثمار في التسويق ولا تطوير المنتج ولا العناية بالعميل، وسابقا ولعدة أسباب كانت السوق والعميل يتقبلان "أو لا يملكان خيارا آخر" للتعامل معه، لكن اليوم الأمور تتطور وتتغير بسرعة رهيبة، فلم يعد مقبولا ألا تكون هنالك خدمات جيدة لما بعد البيع، لم يعد ممكنا أن تتطور وتنافس بدون وضع ميزانيات مناسبة للتسويق وتصرف عليها، لا يمكن أن تنافس القادمين الجدد والتطورات التقنية وانفتاح السوق على الاستثمار الأجنبي ودخوله بكل ما يحمل من تقنيات ومنتجات مطلوبة بالنظام القديم الذي لا يتقبل أي تطور أو استثمار لتطوير المنتجات والبحث عن تلبية رغبات العميل وتغطية احتياجاته، اعتقادا أن العميل سيتعامل معه رغم كل شيء، أو العمل بمبدأ "جود السوق ولا جود البضاعة". زمن هذه الاعتقادات وطريقة العمل ولّى ولم يعد صالحا اليوم، فلا الجيل الجديد من الزبائن والعملاء يقبلها ولا المنافسون لهم يطبقونها، ما كان يصلح في الماضي لا مكان له اليوم، هذه القاعدة وكما يبدو لم يعِها ويدركها بعض التجار إلى الآن، حيث ما زالوا يتعاملون مع المستهلك والسوق بنفس العقلية وفي نفس الوقت يلومون الظروف الاقتصادية على تدني أرباحهم أو على تحقيق خسائرهم، بينما في الحقيقة السبب الرئيس هو عدم مقدرتهم على التطور وتحسين الجودة والخدمة للعميل وبالتالي المنافسة في السوق، العميل اليوم أصبح أكثر وعيا واطلاعا على تجارب الأسواق الأخرى وأكثر ذكاء وأصبح يقارن ويبحث، وفي نفس الوقت، المنافسون خصوصا الجيل الجديد من رواد الأعمال أو الشركات يبتكرون وسائل جديدة وذكية في كيفية الاستحواذ على العملاء وإغرائهم بطرق تتطلب تخصيص ميزانيات وبخطط مدروسة مبتكرة، لم يكن يعلم عنها الجيل القديم الذي ما زال ضد التطور والإحلال في الإدارات، فلو نظرنا على سبيل المثال فقط إلى قطاع مثل قطاع الأغذية، وبالذات المطاعم لفهمنا التطور الكبير في هذا الموضوع، في السابق (الـ 40 سنة الماضية) عدد المطاعم محدود وبقائمة مطاعم متماثلة بين أكثر الموجود، وبدون أي ابتكار أو تميز، اليوم الوضع اختلف "وإن كان بنظام الامتياز واستجلاب أسماء عالمية" فلم تعد المنافسة بالشكل السابق، فأصبح العميل أكثر تذوقا وأصبح يبحث عن الجديد والمبتكر، وأصبح الجو العام في المطعم إحدى نقاط الجذب وكذلك التزيين وطريقة التقديم وغيرها، وبالتالي كثير من المطاعم القديمة خرجت من السوق وحل مكانها الأقدر على الابتكار والمنافسة.
إن العوامل القديمة التي وقفت وساعدت الجيل القديم لم تعد مجدية في سوق اليوم، بل أنا متأكد أن المنافسة ستشتد وسيتميز وينمو الأقدر على المنافسة في السوق، بينما من يتوقف عن الابتكار ولا يملك المرونة اللازمة للتغيير والاستجابة للسوق والعملاء فسيخرج بأسرع مما يتخيل وهذا أصبح واقعا وحدثا لكثير من الأسماء التجارية.
إذن وفي ظل التغير الذي حصل وما زال يحصل في الاقتصاد لم تعد مقولة "إن تجارة الأراضي مصدر الثروات"، حيث إنها وصلت إلى مرحلة صعب أن تستمر في النمو إن لم يكن التراجع في قيمها هو الأقرب، ولا مقولة "جود السوق ولا جود البضاعة" هي واقعية اليوم، هذان العاملان كانا قديما نديمين للتجار، أما اليوم فلم يعد "قديمك أيها التاجر نديمك".

إنشرها