FINANCIAL TIMES

اندماج «إيه تي آند تي» و«تايم وورنر» يخلخل سياسة مكافحة الاحتكار

لو كانت هيلاري كلينتون قد فازت في انتخابات الرئاسة الأمريكية، لكانت الأخبار الصادرة التي تفيد بأن وزارة العدل تطلب من "إيه تي آند تي" أن تعمل على تصويب الأوضاع وتتخذ إجراءات صعبة قبل السماح لها بالاستحواذ على "تايم وورنر"، قد أشيد بها من قبل جماعات الدفاع عن المستهلك وندد بها الجمهوريون المؤيدون للأعمال.
لكن في ظل حكم دونالد ترمب الذي انتقد الصفقة البالغة قيمتها 84.5 مليار دولار خلال الحملة الانتخابية، وانتقد مرارا وتكرارا قناة الأخبار التلفزيونية "سي إن إن" واصفا إياها بأنها "أخبار مزيفة"، تحولت خطوط الصدع.
بشكل عادي يصطف الآن الليبراليون المؤيدون للقوانين التنظيمية لانتقاد وزارة العدل لطلبها من الشركة المندمجة أن تبيع إما شبكات تلفزيون الكابل، بما في ذلك قناة "سي إن إن"، وإما "دايركت تي في"، شبكة البث عبر الأقمار الصناعية.
الأمر المثير للاهتمام أكثر حتى من ذلك، أن مطالب وزارة العدل هي علامة على نهج ناشط لإنفاذ مكافحة الاحتكار من شأنه أن يشكل انقطاعا حادا مع الإدارات الجمهورية السابقة وحتى بعض الإدارات الديمقراطية. السبب في ذلك هو أن الصفقة لا تشتمل على منافسين مباشرين، إنما هي صفقة "عمودية"، بمعنى أنها تجمع شركتين تعملان في مراحل منفصلة من سلسلة الإنتاج والتوزيع.
يقول هاري فيرست، أستاذ قانون مكافحة الاحتكار في جامعة نيويورك "ما أدى إلى أن تصبح المناقشات معرضة للغشاوة هو ما قاله ترمب حين كان مرشحا وانزعاجه، على ما يبدو، من قناة "سي إن إن"، والتخوف من أن هذا يصبح الآن نوعا من الموقف السياسي. أعتقد أن هذا أمر مؤسف حقا بالنسبة إلى مؤسسات إنفاذ مكافحة الاحتكار".
رفضت شركة إيه تي آند تي طلب وزارة العدل، وتستعد لإقامة دعوى في المحكمة ضد الأجهزة التنظيمية الأمريكية. وهي ترغب في الحفاظ على كل من "تيرنر برودكاستِنْج"، وهو قسم من شركة تايم وورنر يضم عددا من الشبكات التلفزيونية التي تشمل "سي إن إن" و"تي بي إس" و"دايركت تي في"، شركة البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، التي اشترتها في عام 2014 مقابل 48.5 مليار دولار.
راندال ستيفنسون، الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات، شدد الخميس الماضي خلال مؤتمر ديلبوك الذي عقد في نيويورك على "عدم وجود أي نية لبيع سي إن إن". وأضاف أن "وزارة العدل لم تطلب قط أن تبيع "إيه تي آند تي" شبكة الأخبار التلفزيونية للموافقة على الصفقة".
مع ذلك، تحدث عدد من مختصي مكافحة الاحتكار عن إمكانية إقامة حجة مشروعة من حيث المنافسة ضد منح "إيه تي آند تي" السيطرة على محتوى تايم وورنر، بما في ذلك قناة الأفلام "إتش بي أو" وشركة "وورنر براذرز" للإنتاج السينمائي، إضافة إلى وسائل توزيعها.
وقال أشخاص مطلعون على حجج وزارة العدل "إنها تعتقد أن شركة إيه تي آند تي تستطيع الضغط على الموزعين المنافسين، وتمنعهم من الوصول إلى محتوى تايم وورنر أو تفرض عليهم أسعارا باهظة على المحتوى، الذي يشتمل على المسلسل التلفزيوني "لعبة العروش" ومباريات فرق الـ NBA لكرة السلة. وتستطيع شركة إيه تي آند تي أيضا تفضيل ذلك المحتوى ونشره عبر شبكة التوزيع الخاصة بها، بدلا من برامج الشركات المنافسة مثل والت ديزني وقناة فوكس للقرن 21".
في حالات سابقة كانت الجهات التنظيمية المختصة بمكافحة الاحتكار تسعى عموما إلى معالجة مَواطن القلق المتعلقة بالمنافسة في عمليات اندماج رأسية بأن تطلب من الشركة اتخاذ إجراءات علاجية سلوكية. هذه الإجراءات تفرض على الشركة المندمجة أن تعامل المنافسين بإنصاف، بحسب ما يقول جورج إيه هاي، أستاذ القانون والاقتصاد في جامعة كورنيل.
مثلا، وافقت إدارة أوباما على استحواذ "كومكاست" في 2011 على "إن بي سي يو يونيفرسال" بشروط تضمن أن شركة تشغيل الكابل لن تفضل محتوى "إن بي سي" على المحتوى الآخر.
لكن تلك الخطط العلاجية لم تكن ناجحة جدا بالنسبة إلى كثير من شركات تزويد المحتوى، بحسب ما يقول هاي، مضيفا أن "بعض تلك الشركات اشتكت من أنها ستتعرض للضغط بشكل أكبر فيما لو سمح باندماج شركة إيه تي آند تي مع شركة تايم وورنر".
في الشهر الماضي، وفي خطاب ألقاه في جامعة نيويورك، أشار ماكان ديلراهيم، رئيس مكافحة الفساد الذي تم تأكيد تعيينه في الفترة الأخيرة في وزارة العدل، إلى أنه يفضل الإجراءات العلاجية الهيكلية، مثل بيع الأصول، على الخطط السلوكية، التي تتطلب مراقبة مستمرة من قبل الجهات التنظيمية.
مع ذلك، الخبر الذي يفيد بأن وزارة العدل تسعى لكي تبيع الشركتان بعض الأصول، مع أنهما ليستا من الشركات التي تتنافس مباشرة فيما بينها، فاجأ الكثير من مختصي مكافحة الاحتكار. جنيفر راي، واحدة من كبار محللي التقاضي في "بلومبيرج إنتلجنس"، وصفت مطلب وزارة العدل ببيع الأصول بأنه "خروج مفاجئ وغير متوقع عن الطريقة التي كانت تستخدمها وزارة العدل في التعامل مع الصفقات الرأسية".
وستواجه وزارة العدل تمحيصا صعبا فيما لو اختارت شركة إيه تي آند تي الذهاب إلى المحكمة، بحسب المختصين. يقول محام مختص في مكافحة الاحتكار، طلب عدم ذكر اسمه "بالنسبة إلى إدارة جمهورية، إثارة هذا الأمر شيء لا يصدق. جماعة أوباما الذين يقيمون قضية ضد شطيرة لحم - لن يدخلوا من هذا الباب".
تقول راي "سيتعين على وزارة العدل إقناع القاضي بأن عملية الاندماج توجد شركة لديها القدرة والحافز للتمييز بين الشركات المتنافسة. يجب على القاضي أن يصدر حكما بخصوص السبب الذي يجعل هذه القضية تتطلب ابتعادا عن الممارسات والسوابق الماضية في وزارة العدل التي كانت تعتبر فيها أيضا الشروط السلوكية إجراءات علاجية كافية لعمليات اندماج مشابهة".
وكون قناة سي إن إن نقطة خلاف يجعل موقف وزارة العدل أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الليبراليين الذين يدعمون في العادة قرارات إنفاذ شديدة.
وترمب ناقد معروف ومتكرر لتغطية الإخبار المتعلقة بإدارته، بحيث يلجأ بانتظام إلى "تويتر" ليتهم تلك الجهات الإعلامية بأنها تقدم "أخبارا مزيفة".
يقول آل فرانكين، السناتور الديمقراطي من ولاية مينيسوتا "أي إشارة إلى أن إدارته تستخدم سلطتها لإضعاف وسائل الإعلام التي لا تحبها ستكون تطورا مزعجا جدا".
حتى مجموعة "الصحافة الحرة" الناشطة، التي تعارض الصفقة لأنها تعمل على تركيز قوة فوق الحد في أيدي "إيه تي آند تي"، عبرت عن خشيتها من الاستهداف الواضح لشبكة سي إن إن.
يقول كريج آرون، رئيس مجموعة "الصحافة الحرة"، "في الوقت الذي يوجد فيه كثير من الأسباب الوجيهة لمعارضة استحواذ "إيه تي آند تي" على "تايم وورنر"، إلا أن معاقبة قناة سي إن إن لمحاولتها مساءلة هذه الإدارة ليست من ضمن تلك الأسباب. بغض النظر عن موقفك من عملية الاندماج هذه، يجدر بالجميع الموافقة على أنه ينبغي للحكومة عدم إسناد قرارات مكافحة الاحتكار إلى مدى ارتياحها للتغطية الإعلامية في غرفة الأخبار".
وتنفي وزارة العدل والبيت الأبيض أن ترمب مارس ضغوطا سياسية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES