FINANCIAL TIMES

هل يُمكن فعلا اتهام ترمب بالتقصير؟

في مجال النشر، من المفيد الحصول على توقيت جيد. ما عليك سوى أن تسأل كاس سونشتاين، الباحث القانوني الأمريكي والمؤلف لكثير من الكتب. قبل فترة قرر كتابة مُجلّد عن اتهام الرؤساء الأمريكيين بسوء السلوك. بالصدفة، كتابه بعنوان "الاتهام بسوء السلوك: دليل المواطن" نُشر في اليوم نفسه الذي تكثّفت فيه الفضائح حول الرئيس ترمب.
على وجه التحديد، وجه روبرت مولر، رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق الذي يُحقق في روابط بين فريق ترمب وروسيا، أخيرا الاتهام إلى عدد من الشخصيات البارزة في حملة ترمب الانتخابية، بما في ذلك مدير الحملة السابق، بول مانافورت.
مزيد من لوائح الاتهام السرية ضد أفراد لم يُكشف عن أسمائهم موجودة الآن في المحكمة. نتيجة لذلك، يتم التلاعب بكلمة "الإدانة" بحماس من قِبل معارضي ترمب؛ مواقع المراهنة السياسية، مثل "بريديكت إت" تضع احتمالات عزل ترمب من المنصب في وقت مبكر بنسبة 38 في المائة.
هذا رائع. لكن قبل أن يتحمّس أي شخص على جانب الديمقراطيين، ينبغي أن يُلقوا نظرة على كتاب سونشتاين. المؤلف لا يدّعي أنه يُعلّق على ترمب - حتى إن الكتاب لا يذكر الرئيس بالاسم. لكن ما يفعله هو تفسير الأصول التاريخية لمفهوم توجيه الاتهام بسوء السلوك، ويعطي القراء قائمة بنود تحدد متى يُمكن تطبيق المبدأ.
كما يُفسّر سونشتاين، نشأ المفهوم في البداية لحل تناقض. في أواخر القرن الثامن عشر أراد الآباء المؤسسون قيادة قوية وموحدة. مع ذلك أرادوا أيضاً منع الطغيان من النوع الذي تعرضوا له في عهد الملك البريطاني. لحل هذه المشكلة منحوا صلاحيات لا يستهان بها للرئيس، لكن وضعوا أيضاً شرطا يقول إن الرئيس يُمكن "وينبغي" عزله إذا كانت هناك أدلة على "جرائم ومخالفات كبيرة".
لكن الآباء المؤسسين لم يعطوا تعريفا واضحا تماما لمفهوم "الجرائم والمخالفات الكبيرة". وإذا أردنا تحويل المصطلح إلى قانون فسنواجه المعركة الفكرية نفسها من النوع الذي عانته الكنيسة في تفسير الكتاب المقدس - بمعنى هل ينبغي أن يُحمل الدستور على ظاهره، مع تطبيق كل حرف من مبادئ القرن الثامن عشر على حياة القرن الحادي والعشرين؟ أم هل ينبغي أن يُعتبر بمنزلة "وثيقة حية" يجب تكييفها مع العالم الحديث؟ ما لا يثير الدهشة، أن آراء علماء القانون الحديثين متباينة. القاضي الراحل ثيرجود مارشال كان من مؤيدي فريق الوثيقة الحية. أنطونين سكاليا، عضو المحكمة العُليا حتى وفاته في العام الماضي، كان يرى أن الدستور لا يعمل إلا إذا أُخذ حرفياً.
بالطبع، بعض الحالات واضحة: كما يُفسّر سونشتاين، لا يُمكن إدانة الرئيس بسوء السلوك إذا كان "فقط" يتهرب من الضرائب، أو يتبع سياسات غير شعبية على نطاق واسع، أو كان منخرطا في فضيحة جنسية، أو دخل في حروب. على العكس من ذلك، يُمكن إدانته إذا ارتكب عملا من أعمال الخيانة العظمى، أو قبل رشا وهو في المنصب، أو استخدم جهاز الأمن لتشويه سمعة معارضيه والتستر على الأدلة. يكتب سونشتاين "الجهود لإشراك وكالة المخابرات المركزية في منع إفشاء مخالفات من قِبل لجنة حملة الرئيس هي بلا شك مخالفة بالمعنى الدستوري". هذه النقطة الأخيرة مهمة بشكل خاص، لأن هذه هي "المخالفة" التي أدت إلى إدانة رتشارد نيكسون بعد فضائح ووترجيت. لكن النقطة الرئيسية هي أن ارتكاب جريمة ليس بالضرورة كافياً لتبرير الاتهام بسوء السلوك.
لكن، كما يُشير سونشتاين، هذا لا يزال يترك "منطقة رمادية" ضخمة تجعل من غير الواضح تماماً ما إذا كان النشاط قابلا للإدانة أم لا. هذا ليس أمرا سيئا بالضرورة. الهدف الرئيسي لمبدأ الإدانة هو أن يكون من الصعب جداً تطبيقه بحيث لا يُستخدم على نطاق واسع – لكنه رحب بما فيه الكفاية في نطاقه بحيث يُمكن أن يكون له أثر رادع. يكتب سونشتاين: "نحن، الشعب، يُمكننا عزل الرئيس إذا رغبنا في ذلك، لكن علينا إدارة التحدّي".
المشكلة في هذه "المنطقة الرمادية" هي أن هناك مجالاً لتسييس كيفية تطبيق قرار الإدانة، وهذا يوجد خطرين. الأول، أن "مزيجا من الحزبية المتطرفة، والانتشار السريع للمعلومات الخاطئة، والتحيزات السلوكية المختلفة" سيثير جهوداً غير مبررة لإدانة الرئيس. الخطر الآخر، أن الموالين للحزب سيبطلون أي معنى للقانون الدستوري والكونجرس سيرفض إدانة الرئيس عندما تكون مبررة فعلاً. وبحسب سونشتاين "يُشير التاريخ إلى أن الجمهوريين سيترددون بشدة في التخلي عن رئيس جمهوري، والديمقراطيون لا يختلفون عنهم. الإدانة مستحيلة أساساً ما لم تكنُ البلاد موحدة تقريباً ضد قائدها".
أين يترك هذا ترمب؟ في الوقت الراهن، لا أحد يعرف. لم يُقدّم مولر أي دليل على مخالفات رئاسية حتى الآن وربما لن يفعل أبداً. في الوقت نفسه، يُصر كثير من أنصار ترمب على أن الملحمة كلها مجرد أخبار مزيفة، مدفوعة من الحزبية السياسية. لكن إذا ظهرت أدلة على المخالفات بالفعل، من شبه المؤكد أن يحاول الديمقراطيون تفعيل كلمة "الإدانة". في كلتا الحالتين، من المرجح أن تُصبح الأمور فوضوية - وتطغى عليها على وجه التحديد الحزبية السياسية من النوع الذي يقلق سونشتاين بشأنه. الآن، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى العقلاء لحماية الجمهورية الأمريكية: لحسن الحظ هذا الكتاب موجود – وكذلك قائمة البنود التي تحدد متى يُمكن تطبيق المبدأ.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES