محاربة الفساد.. استراتيجية وانعكاسات محلية ودولية

|
محاربة الفساد في المملكة، أو لنقل "عاصفة الحزم" على هذه الآفة، لم تكن ردة فعل. بل هي ببساطة استراتيجية تتعدى المعنى المطروح نفسه. استراتيجية وضعت لتحقيق سلسلة من الأهداف الوطنية السعودية، وفي مقدمتها بالطبع النمو، والازدهار، والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى بناء صرح يتعاطى مع استحقاقات المستقبل، ناهيك عن المفاجآت التي باتت جزءا من الحراك العالمي المضطرب بشكل عام. ومن هنا، فإن الحملة الأخيرة على الفساد، جاءت ضمن السياق العام للورشة الضخمة التي تشهدها المملكة. وهي حملة تحمل معها عدالتها، إضافة إلى أنها لم تؤد إلى أي اضطراب في الحراك الاقتصادي الخاص والعام. كل المتهمين لهم حقوقهم التي يتمتع بها أي مواطن سعودي، وبالتأكيد لن يتمتعوا بأي معاملة خاصة. إنه تأكيد من أعلى هرم الحكم في البلاد. الحملة على الفساد، تدخل ضمن الإصلاح والبناء الاقتصادي والاجتماعي. أي أنها ليست مختصة بالجانب الأول. وتزامنت "كما شهد العالم" مع مجموعة من التحولات التاريخية الكبرى في المملكة، بما في ذلك تغيير قوانين لم تعد ملائمة لا في هذا الزمن، ولا مع بنود وطروحات الاستراتيجية العامة المتمثلة في "رؤية المملكة 2030" و"برنامج التحول" المصاحب لها. ما يحدث الآن، ليس أقل من ثورة من أجل المستقبل، ومن أجل المواطن، ومن أجل الوطن، ومن أجل الأجيال القادمة. والفساد يمثل حتى في البلدان المتقدمة وباء، ويتم وضع الآليات لمحاربته دائما. فهو موجود في كل الأزمنة، إلا أن الفارق بين منطقة وأخرى، يكون دائما بمدى الحرب التي تشن عليه، ونجاعة الإجراءات التي تتخذ من أجل إنهائه إلى الأبد. من هنا يمكن النظر إلى ترحيب الجهات الدولية الكبرى بهذه الخطوات المحورية على الساحة السعودية. فالحرب على الفساد في المعيار الاقتصادي، هي في الحقيقة عملية تمكين لما يعرف بـ"الحوكمة". وهذه الأخيرة تمثل عماد العمل الاقتصادي الناجح، كما أنها نقطة جذب عالية الأهمية للاستثمارات والمشاريع التنموية المختلفة. والأمير محمد بن سلمان ولي العهد الذي يقود هذه الحرب بكل فروعها، يبني الأسس القوية للهيكل الاقتصادي ــ الاجتماعي التي يجب أن تكون في هذه البلاد المحورية إقليميا ودوليا. ما يجري لا يمكن اعتباره نقلة نوعية، إنه أكبر من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بالبناء الشامل للمجتمع السعودي، بكل فروعه ومداخله ومخرجاته وقيمته الحقيقية. كل خطوة تتخذ في هذا المجال الحيوي، تفسح للسعودية مجالات أوسع وأرحب على صعيد الاستثمارات الأجنبية. وهذه الأخيرة تمثل محورا رئيسا في "الرؤية" و"التحول". ووفق الخبراء الغربيين، مثل هذه الخطوات، سترفع التدفقات الاستثمارية للأجل القصير إلى 10-12 مليار دولار، في حين توقعوا أن ترتفع إلى ما يراوح بين 17 و22 مليار دولار في الأجلين المتوسط والطويل. أي أن محاربة الفساد، هي بحد ذاتها عملية تسويق وطنية عالية الأهمية، تضاف إلى عناصر التسويق الكبرى، وفي مقدمتها بالطبع المكانة التي تتمتع بها المملكة على الساحتين الإقليمية والدولية، إضافة إلى المخططات طويلة المدى التي جعلت العالم يتدافع للوصول إلى السوق السعودية. إن الفساد وباء سيتم القضاء عليه إلى الأبد، وفي الوقت نفسه ستقدم السعودية أفضل مثال، على كيفية البناء الحقيقي، وصيانة مستقبل الوطن بكل قطاعاته وعناصره وقيمه.
إنشرها