اثنان لا يجتمعان .. التنمية والفساد

|
دائما ما كان الهم الأساس لسياسات الدولة الاقتصادية هو تحقيق رفاهية المواطنين. ولأجل ذلك كانت التنمية هي العنوان العريض لكل المبادرات. حصلت التنمية ولكنها مع الأسف لم تكن مستدامة، ولذلك كانت الحاجة الماسة إلى رؤية جديدة وشاملة قادرة على إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالاقتصاد. وحتى يكتب النجاح لهذه "الرؤية"، فلابد لها من كف يد الفساد عن العبث بمقدرات البلاد. التنمية المستدامة تعتمد في أساسها على كفاءة الإنفاق الحكومي خاصة. فنحن ما زلنا في بداية الطريق، وبحاجة إلى استثمار أموال هائلة في البنية التحتية ومشاريع نوعية وقطاعات اقتصادية جديدة. جميل أن نسمع عن هذه المشاريع، وجميل جدا أن نراها تتحقق وتنفذ، والأجمل أن يتم ذلك كله بأقل تكلفة على المواطن وميزانية الدولة وبأعلى كفاءة استغلال للموارد. مشكلة الاقتصاد السعودي في عدم قدرته على الانعتاق من الاعتماد على الإنفاق الحكومي سببها الرئيس هو انخفاض مضاعفه المالي. ومع احتساب الفساد ضمن معادلات المضاعف، قد يتحول إلى السلبية، فبدلا من أن يولد كل ريال تنفقه الحكومة نصف ريال إضافيا في الاقتصاد الكلي، قد نفقد نصف هذا الريال قبل أن يصل إلى الاقتصاد. بدأت رحلة الإصلاح في السعودية متدرجة، فركزت في بدايتها على ترشيد الإنفاق والاستهلاك. ثم بعد أن وضعت الضوابط اللازمة حول الترشيد، بدأت في مشروع رفع كفاءة الموارد ونقاط القوة لدى الاقتصاد، فكانت المشاريع الكبرى. اليوم يبث مهندس "الرؤية" نفحة تفاؤل أخرى بمشروعه لمحاربة الفساد. قد تكون للتحقيقات والتوقيفات آثار صادمة لأول وهلة، ولكن حجم الصدمة ليس إلا انعكاسا لحجم الهدر في المال العام الذي قدر بأكثر من تريليون ريال. ولذلك سيكون في استعادة هذه الأموال فائدة في إعادة توظيفها في برامج "الرؤية" فتنخفض التكلفة على الاقتصاد. كما أنها ستعمل على تحريك عدد من الملفات الراكدة، أهمها مشاريع المدن الاقتصادية التي وعدت بالنمو والرخاء ولكن تحولت بكل أسف إلى أصول مهملة مهدرة. وكذلك فقد كان لحجم الصدمة الأثر في تحول سلوك العمل الحكومي وكل من له سلطة. فالفساد اليوم ليس مجرد فساد مالي، فتعطيل المصالح فساد، وكل ما يعطل التنمية فساد. على المدى الطويل، سيكون لأعمال اللجنة العليا لمحاربة الفساد العام أثر كبير في تغيير شكل البيئة الاقتصادية. فمن دون فساد، سيتم توحيد مستوى اللعب لكل من يريد أن يشارك في الاقتصاد. وبالتالي سيزيد من توافد الراغبين في الاستثمار في الاقتصاد السعودي. إضافة إلى ذلك، سيكون للشفافية التي سيتم اتباعها في إجراءات التحقيق والتقاضي للموقوفين تغير عميق على مستوى كفاءة وقوة القضاء في السعودية. وهو ما يرسي القواعد لدولة القانون. وحتى نبني على المكاسب التي ستحققها هذه المرحلة من محاربة الفساد، فلابد لنا من إعادة النظر في مستويات الحوكمة في كل المنشآت والأجهزة الحكومية والخاصة. فكل جهة تعمل على تراب هذا الوطن عليها أن تضع نفعه كأولوية بعدم إهدار موارده كأولوية إلى جانب أهدافها الربحية. هكذا نرسم خريطة الطريق لمزيد من الإنفاق الحكومي دون هدر لتحقيق التنمية المستدامة.
إنشرها