التعلم من الرواد

|
جميعنا يعرف أن محاولة تكرار النجاح أصعب بكثير من مجرد الفوز به. وهذا تماما ما يلاحظه كل من يراقب نجاحاتنا الاقتصادية ومن جانب آخر، ترهلاتنا الاقتصادية. كل التجارب الناجحة سواء كانت شركات وطنية كبرى مثل "أرامكو" أو مدنا مثل الجبيل وينبع نجدها تظهر ككيانات كبرى فريدة غير قابلة للاستنساخ. ومع قدوم باقة متنوعة عظيمة من الجهود الإصلاحية، يصبح السؤال أكثر أهمية وقيمة: كيف نكرر التجارب الناجحة ونستطيع التعلم من الرواد المؤسسين بشكل يمكن تكراره والاستفادة منه؟ كيف نتفادى آفة النجاح المؤسسي المنقطع؟! في رأيي الحل لا يكون بمجرد التوصية بالاستفادة، ولا أن نقول انظر كيف تعمل "أرامكو"! أو قارن هذه المدينة الجديدة بتلك. الحل في رأيي يكون بوجود منهجية مقننة لنقل التجارب المؤسسية الناجحة وترويجها، مع تضمين هذه المنهجية كهدف وطني في استراتيجيات كل كيان، وربما اعتمادا ــ أو امتيازا ــ يمنح من يطبقه مميزات وحوافز تجعل المنشآت تتسابق إليه. وهكذا نستطيع أن نخرج بالأثر "الأسّي" السريع الانتشار لكل مجهود إصلاحي معتبر يغير من الواقع. من غير المعقول أن نرى تجربة جديدة ناجحة بمقاييس تاريخية وبعد بضعة أمتار بجوارها أخرى تعيسة تعيش على أحلام العقود الغابرة. ومن غير العادل أن تجبر شركات وطنية تعمل بمعايير عالمية على التعاقد مع أخريات لا تملك سجلا للفواتير. فكما يجب أن يتم توزيع الدخل بين المجتمع بشكل عادل، يجب توزيع فرص التطوير والتحسين بشكل عادل بين الكيانات، وهذا يعني وجود آليات للتوزيع وقبلها هدف للتوزيع. التجمعات والتمركزات الحسنة لا تؤثر بشكل حسن إذا كانت منعزلة بطريقة تحصر النجاح ضمن أسوارها. عندما يستفيد أي فريق عمل أو كيان من مجهود ودعم تطويري مميز، فهو يتحمل في اللحظة نفسها التي حصل فيها على الدعم مسؤولية نشر المعايير الحسنة التي ساعدت على نجاحه، وإلا فهو ليس جزءا من المجتمع وإنما آفة تستمد قوتها منه. المعرفة الناتجة عن الحصول على الدعم هي دين واجب السداد وعلم يستحق الزكاة؛ فكما أن هذا المفهوم أساس عند الأفراد الناجحين، فهو كذلك عند الكيانات الناجحة. ولكن، كيف تعمل منهجية نقل التجارب الحسنة وترويجها وتكرارها؟ في عجالة المقال يصعب سرد منهجية رصينة ولا أعتقد بوجود تجارب عالمية منظمة يمكن الاستفادة منها بشكل مباشر، ولكن الباب مفتوح للاستراتيجيين وخبراء الإدارة التنموية للخروج بنموذج يمكن تكراره وترويجه. المهم في نظري ألا تترك المسألة للصدف والعشوائية، فالهيكلة والتنظيم ثم المتابعة والتعديل مطالب أساسية قبل انتظار أي تحسن. سأذكر مجموعة من السمات التي قد تشجع تجربة التعلم من تجارب الرواد المؤسسيين بطريقة فعالة ومختلفة عما سبق. أولا: أن تكون هناك منهجية قابلة للتسمية والتوصيف الواضح، أي هوية مستقلة لبرنامج أو زمالة مؤسسية يتعهد المنتمون إليها بالقيام بالحد الأدنى من متطلبات هذه المنهجية. ثانيا: أن يتم تثقيف عناصر المنظمات بأهداف المنهجية ويتم تضمين محتواها في الخطط والأنشطة. وتماما كما نتحدث عن دمج بعض التطبيقات المهمة في مناهج التعليم، فيجب أن ندمج بعض التطبيقات النموذجية في ممارسات العمل. وهذا لا يحصل إلا بإيجاد محتوى وتوجه على المستوى الوطني، يتشارك في تعلمه وتعليمه الملاك والمديرون والموظفون، ويشعر به العملاء والمستفيدون، مع التركيز على الأفراد والفرق الذين يعملون كمرتكزات للتغيير المؤسسي. ثالثا: بما أن النشاط داخل المنشأة وخارجها هو انعكاس لظاهرة التواصل، فيتم تأسيس منصة للتواصل المتخصص وتهيئة نقل المعرفة، تطرح فيها الأسئلة وتبوب المعارف والأدوات للباحثين عنها. رابعا: أن يتم تصميم مؤشرات للأداء ــ وليس مجرد مقاييس صماء ــ تكون مرتبطة بالتعلم المؤسسي ونقل التجارب، ويكون بعض هذه المؤشرات قابلا للنشر والإعلان، إذ يتاح للمنشآت استخدام هذه المؤشرات للترويج لخدماتها وللاستفادة من جهودها الإيجابية. خامسا: أن تعلن جائزة وطنية كبرى للمؤسسات الوطنية ــ بجميع فئاتها ــ التي تتقن جانبي المعادلة، التعلم والتعليم. تلك التي تهيئ جزءا من خبراتها وتجاربها للآخرين "العرض"، وتستفيد كذلك من خبرات الآخرين وتبحث عنها "الاستيعاب". يمكن إثبات هذا الجانب بالبرامج المشتركة والاتفاقيات الثنائية والتقارير النظامية ــ التي يتم رصدها بموجب المعايير والمحتوى المقرر مسبقا. على الرغم من أن أدبيات إدارة المعرفة لا تؤطر جيدا لتطبيقات نقل المعرفة بين المنظمات، وتتحدث عن تحديات ثقافية وتأثيرات جانبية مثل حجم المنظمات وطبيعة علاقاتها إلا أن هذا يجب ألا يثنينا عن السعي خلفها. وجود برنامج من هذا القبيل والحديث عنه بطريقة واضحة وممنهجة يمنحنا في نظري ثلاث فوائد رئيسة. أولا: يرفع الحرج عن المنشآت التي تود الاستفادة من غيرها ولا تجد آلية للاستفادة من التجارب. ثانيا: يشجع تلك التي تتردد عند مشاركة تجاربها مع الغير، بل يحفزها على الإفصاح عما تم الاحتفاظ به دون سبب مقنع. ثالثا: يصنع حراكا إيجابيا في جانب مهم ويولد ثقافة جديدة تستمر لعقود تخدم وتحفز التقدم الجماعي مقابل التميز "المؤسسي" الفردي، ذلك التميز الذي يثير الانتباه ولكن لا يصنع النتائج المطلوبة.
إنشرها