خواص الشركات التريليونية

|
عالم اليوم يحكمه الاقتصاد قبل القوة العسكرية. والشركات الكبيرة منها والصغيرة تشكل عماد الاقتصاد. ومنذ بزوغ "الإنترنت" دخل العالم في حقبة صناعية جديدة استطاعت فيها الشركات التي تتكئ على التكنولوجيا الرقمية وتقنية المعلومات بسط نفوذها وهيمنتها على تكوين الثروة. وهناك خاصيتان مهمتان تميز هذه الشركات عن غيرها. الخاصية الأولى: تتعلق بعمرها، فأغلب هذه الشركات حديثة العهد لم يكن لها أثر في ساحة الاقتصاد والتجارة العالمية قبل نحو ربع قرن. الخاصية الثانية: تتعلق بثروتها. فهذه الشركات تراكم الثروة بنسب وأحجام مهولة وبسرعة تفوق أكثر توقعات المحللين تفاؤلا وتصل إلى مدارات كان من الصعب تخيلها حتى في عالم الأحلام. قبل عقدين أو أكثر من الزمن ربما لم تكن هناك شركة في الولايات المتحدة تحلم بأن تصل قيمتها السوقية "القيمة الإجمالية لأسهم الشركة القابلة للتداول والبيع والشراء" 100 مليار دولار. تراكم الثروة في الماضي لم يكن بالسرعة المذهلة التي نشاهدها اليوم. قبل الثورة الصناعية، كانت ثروة الأمم شبه مستقرة. وبعد الثورة الصناعية جرت طفرة في ثروة الشركات والدول التي بدأت بالتحول من الإنتاج الزراعي إلى الصناعي. بيد أن مع الثورة الصناعية، لم يكن نمو الثروة بهذه السرعة المذهلة وكذلك لم يكن تراكميا بهذا الشكل الذي لا يدهشنا وحسب بل قد يوقف شعر رأسنا. وإن ألقينا نظرة إلى قائمة مجلة فوربس لأقوى الشركات العالمية لعام 2017 وأخص بالذكر الأمريكية منها لرأينا أن القيمة السوقية لشركة أمريكية واحدة وهي "أبل" Apple كانت توازي القيمة الإجمالية لأقوى 100 شركة في الدول العربية. ونشرة "فوربس" حول أقوى الشركات على مستوى العالم التي حصلنا عليها قبل عدة أشهر أصبحت قديمة. عند قيام "فوربس" بنشر قوائمها، كانت قيمة "أبل" تقدر بـ752 مليار دولار. اليوم القيمة السوقية لهذه الشركة العملاقة عبرت 900 مليار دولار، وإن أخذنا رأي المحللين الاقتصاديين في عين الاعتبار ربما تحطم الشركة رقما قياسيا آخر وفي أشهر قليلة بوصول قيمتها حد التريليون دولار "ألف مليار دولار". في أقل من سنة واحدة قد تضيف هذه الشركة ربع تريليون دولار إلى قيمتها. وإن تفحصنا قائمة "فوربس" مرة أخرى لرأينا أن عدد الشركات الأمريكية التي كانت تتجاوز قيمتها السوقية نصف تريليون دولار "500 مليار دولار" كان ثلاث شركات فقط وهي: "أبل" و"ألفابت" و"مايكروسوفت". اليوم ولم نأت بعد على نهاية سنة 2017 هناك نحو عشر شركات أمريكية تبلغ قيمتها السوقية نصف تريليون دولار أو أكثر. وإن وضعنا التريليون دولار في سياقه من أجل المقاربة والمقارنة فهذا سيعني أن شركة أبل وحدها فقط تساوي من حيث القيمة وتراكم الثروة القيمة الشرائية للإنتاج القومي الإجمالي لدول مجلس التعاون ومنها التي تطفو على بحيرات من الغاز والنفط. بريطانيا، وحسب نشرة "فوربس" دائما، ليس فيها شركة تصل قيمتها السوقية إلى 200 مليار دولار، وهذا ينطبق على فرنسا وألمانيا كذلك. في الصين هناك شركات عملاقة ولكن لم تصل القيمة السوقية لأي منها سقف نصف تريليون دولار. الصين تملك شركتين فقط تتجاوز قيمتهما السوقية سقف ربع تريليون دولار. رغم ذلك تشكل الشركات الصينية ندا قويا لنظيراتها الأمريكية في أغلب مضامير الإنتاج والصناعة تقريبا. وإن تحققت أهداف خططتها التنموية الطموحة التي أطلقت عليها "مصنوع في الصين 2025" للحصول على التقنية الغربية والأمريكية في مجال تقنية المعلومات والتقنية الرقمية وصناعة الرقائق وتوطينها وتصميمها، عندئذ قد تصبح الصين صاحبة أكبر عدد من الشركات الأكثر قيمة في العالم وصاحبة القدح المعلى في التقنية الفائقة التطور. في الدول الصناعية والمتقدمة، الشركات هي التي تصنع الثروة. بيد أن النظرة إلى أن كل شيء كبير هو الأنفع قد لا تكون مجدية. الدول الإسكندنافية، والسويد في مقدمتها، بنت تراكم ثروتها على الشركات الصغيرة التي كونت لنفسها مجالات محددة للإنتاج والتسويق تنافس فيها الشركات الكبيرة. ومن ثم الاستناد إلى الشركات الكبيرة قد يكون له سلبياته. سقوط أي واحد منها قد يجر معه الاقتصاد برمته. وهذا ما رأيناه يحدث في الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الرأسمالي والعالمي فور إعلان بنك الاستثمار الأمريكي "ليمان برذرز" إفلاسه.
إنشرها