جرائد أبي

|

كان والدي ونحن صغار يقرأ الصحف والكتب أمامنا في الصالة رغم إزعاجنا وصخبنا. لا يكاد ينتهي من قراءة صحيفة حتى أنقض عليها أنا وإخوتي لنلتقطها ليس حرصا على قراءتها بل على تقليد أبي. بدأ الموضوع هزليا ثم انقلب جديا. أصبحنا ننتظره يفرغ من أي صحيفة أو مجلة أو كتاب حتى نبحر فيه.
اكتشفت لاحقا بعد أن كبرت وازدادت علاقتي وارتباطي بالحرف أن الفضل في ذلك بعد الله يعود إلى سلوك أبي القرائي أمامنا. فأفضل طريقة تجعل طفلك يزاول أو يتعلق بشيء ما هو أن تفعله أمامه. سواء كان قراءة أو رياضة أو رسما. يقول أبو العلاء المعري:
"ينشأ ناشئ الفتيان منا ..
على ما كان عوده أبوه".
فمحبتك للشخص تجعلك تحاول أن تقوم بكل ما يقوم به سواء سرا أو علانية. تفعله طواعية بحب ومتعة وسعادة. وحين تتذوق طعم هذا الشيء تدمنه وتنغمس فيه.
لقد آمنت أن أفضل طريقة تنفر بها ابنك أو أخاك أو حتى صديقك من شيء تود القيام به هي أن تنصحه أو تعظه لممارستها. جُبل المرء على عدم تقبل النصيحة. كن ذكيا بما فيه الكفاية ومررها بطريقة أكثر دهاء. زاولها وتحدث عن مآثرها حتى يعتنقها دون أن تأمره أو تزجره.
صديقي الطبيب أحب ابنه الطب لسبب بسيط، كان يأخذه معه إلى العيادة وهو في سن العاشرة. وكان ينتظر أباه في صالة الانتظار وكلما اكتشف المرضى قرابته بالطبيب أمطروا والده بوابل من المديح والإطراء. كبر هذا الفتى وهو يمني النفس أن ينال هذا التقدير والحب من الآخرين. اجتهد وثابر حتى أصبح طبيبا طموحا.
حاول أن تقوم بكل ما تتمنى أن يقوم به ابنك أو ابنتك أو حتى أخوك أمامه. ستجده يقلدك ويقتفي أثرك ويحقق كل ما ترغب فيه وأكثر. اضغط على نفسك وصادقه وتخلى عن وعظك قليلا وستسعد كثيرا. وتذكر أن أجمل النجاحات جاءت بالتحبيب لا بالترهيب.

إنشرها