FINANCIAL TIMES

جاي باول .. عازف جيتار يتولى قيادة «الاحتياطي الفيدرالي»

كان جاي باول يقود دراجته الجبلية، ويتجول في المنطقة البرية المحيطة ببحيرة كريتر، في أوريجون، في الوقت الذي كانت تتصاعد فيه وتيرة المداولات حول اختيار القيادة المستقبلية لـ "الاحتياطي الفيدرالي" في واشنطن العاصمة في آب (أغسطس) الماضي. وبينما كان ينطلق بسرعة أسفل منحدرات تبعث على الدوار عبر منطقة تظهر عليها علامات حرائق الغابات، بالكاد كان باول يبدو منسجما مع الصورة الحذرة والرصينة التي نعرفها عن "المصرفي المركزي" الذي يبتعد عن المخاطر.
سيحتاج باول، صانع السياسة، إلى هذا النوع من القوة مرة أخرى الآن وهو يستعد لتولي مهام الوظيفة الأكثر نفوذا في الاقتصاد العالمي. باول الذي كانت هناك تكهنات غير مؤكدة بأنه سيصبح رئيس مجلس "الاحتياطي الفيدرالي"، وقف يوم الخميس خلف دونالد ترمب في حديقة الزهور في البيت الأبيض ليتم تقديمه للعالم خليفة لجانيت ييلين.
يجري تصوير هذا الرجل البالغ من العمر 64 عاما على نطاق واسع على أنه مرشح الاستمرارية في "الاحتياطي الفيدرالي" – شخص موثوق يتمتع بالكفاءة ويشعر بأن صعوده أمر روتيني تقريبا. لكن ارتقاءه لهذا المنصب لافت للنظر من جوانب كثيرة. باعتباره يحمل شهادة في القانون، هو أول شخص غير اقتصادي يصبح رئيسا للبنك منذ فترة الحكم القصيرة وغير الناجحة التي تقلد خلالها جي ويليام ميلر المنصب في أواخر السبعينيات. خلافا لجون تايلر، ليست هناك أي نماذج اقتصادية تحمل اسم باول. في الواقع، تمتد خبرته في أعمال البنوك المركزية لفترة خمس سنوات فقط.
كثير من مساعدي ترمب توقعوا أن يعين الرئيس شخصا يعترض على التقاليد السائدة في "الاحتياطي الفيدرالي"، لإحداث تغييرات واسعة في السياسة النقدية والتصدي للموظفين الأقوياء. بدلا من ذلك، استقر الرأي عند الرئيس على شخص متمرس عليم ببواطن واشنطن، ولد وتعلم محليا ومليء بالمؤهلات التي تجعله من المنتمين إلى المؤسسة.
بوصفه شخصا اشتهر بروح الدعابة دون أن تظهر على وجهه أي مظاهر على الضحك، والمزاج العملي، وأخلاقيات العمل الهائلة، يبدو باول غير عادي من حيث قدرته على السير ضمن وكر الثعابين في واشنطن دون أن يصنع أي أعداء. سيحتاج إلى الاعتماد بشكل كبير على مهاراته الشخصية والسياسية في الوقت الذي يستعد فيه للدفاع عن استقلالية "الاحتياطي الفيدرالي" أمام كونجرس يضم كثيرا من الجمهوريين الذين يشعرون بريبة عميقة بشأن قوة البنك ومدى نفوذه.
دوجلاس ريدايكر، ممثل أمريكي سابق لدى صندوق النقد الدولي يعرف باول، قال عنه "إنه شخص ذكي قادر على التوفيق بين الآراء المختلفة، الأمر الذي سيخدمه جيدا في منصب الرئيس". هذه المدينة يمكن أن تصبح مكانا للتنافس والتشدد في المواقف، لكنك لن تستطيع العثور على شخص يمكن أن يقول شيئا سلبيا حول العمل مع جاي أو العمل بالقرب منه..
باعتباره ابنا لمحام، درس باول العلوم السياسية في جامعة برنستون ومن ثم ذهب إلى كلية الحقوق في جامعة جورج تاون. في جامعة برنستون انغمس في حب الجيتار الذي بقي ملازما له خلال حياته. قبل عقد من الزمان تقريبا، كان يمكنك أن تعثر عليه وهو يعزف الجيتار مع فرقة "ماني بينيز"، سميت بذلك لأن معظم أعضائها كانوا على ارتباط بمجتمع الاستخبارات. وكانت عروض الفرقة النادرة في المسارح العامة تهدف إلى جمع التبرعات لمصلحة عائلات العملاء الذين تعرضوا للقتل أثناء عملهم.
قابل باول زوجته، إليسا ليونارد، التي تعمل في مجال الإنتاج السينمائي، في مطلع الثمانينيات، عن طريق شقيقته التي كانت زميلتها في المنزل. تزوج الاثنان في عام 1985 ولديهما الآن ثلاثة أبناء. شغل باول أول وظيفة له في الحكومة في وزارة المالية خلال فترة رئاسة جورج بوش الأب. في تلك الفترة شهد الأثر المؤلم الناتج عن إحدى الأزمات المالية، عندما التف مصرف سالومون براذرز على قواعد مزاد سندات الخزانة في فضيحة كان من الممكن أن تؤدي إلى انهياره.
واصل باول مسيرته ليحقق ثروة في مجال الأسهم الخاصة، مترئسا فريق الشركة الصناعية كارلايل، الذي عمل على إصلاح شركات في قطاعات مثل تعبئة الصودا واللدائن. ثم ظهر مرة أخرى في دوائر السياسة الاقتصادية في عام 2010 متخصصا في "مركز السياسة الحزبية الثنائية"، وهو مركز فكري كان له فيه صوت مسموع خلال فترة الحوار حول سقف الديون في عام 2011.
في عام 2011، وفي إطار توافق بين الحزبين، تم ترشيح باول محافظا في "الاحتياطي الفيدرالي"، مع جيريمي شتاين، الأستاذ في جامعة هارفارد. يستذكر شتاين حضورهما إلى "الاحتياطي الفيدرالي" من أجل تعريف أولي بالمهام، وهو حدث أقرب ما يكون لليوم الأول في المدرسة.
يقول "جلسنا في جلسة تسلم المهام، ونظرت إليه وقلتُ في نفسي إنه يبدو كشخص متخصص في الأسهم الخاصة - يرتدي بدلة أفضل من بدلتي، وحذاء أفضل، وشعره أفضل. لكنه سرعان ما قضى على الصورة النمطية. حتى إنه ليس شخصا متعجرفا ولو من بعيد. إنه شخص محب للتعلم، وودود بشكل لا يصدق، وكان حاضرا لكي يتعلم".
أمضى باول أول عام له في "الاحتياطي الفيدرالي" وهو يعمل على تعليم نفسه بسرعة في مسائل الاقتصاد النقدي. يقول موظفون سابقون "إن اهتمامه بالتفاصيل امتد عميقا ليصل إلى الهوامش في أبحاثهم الاقتصادية".
أثناء فترة تولي ييلين منصبها، اتخذ له مسارا حذرا، بحيث لم يصطدم علنا مع الرئيسة والتزم بموقفها المسالم على نطاق واسع فيما يتعلق بأسعار الفائدة. لكن في وقت سابق من الفترة التي قضاها في البنك المركزي، كان باول يشكل جزءا من جماعة من المحافظين، بمن فيهم شتاين وبيتسي ديوك، الذين لم يكونوا راضين عن حجم التسهيل الكمي المتاح خلال فترة رئاسة بن برنانكي.
ينظر بعض الموظفين السابقين إلى تلك المرحلة ويتساءلون عما إذا كان باول سيكون أكثر تركيزا على مخاطر الاستقرار المالي من ييلين. أما السؤال المهم الآخر المتعلق بالسياسة الرئيسية، الذي يلوح في الأفق، فهو مجموعة أدوات التحفيز المستنزَفة التي ستكون لدى المصرف عندما يصطدم بالركود الاقتصادي التالي - وكيف سيتمكن من التعامل مع شعور العداء الذي يشعر به الجمهوريون المحافظون لبرنامج التسهيل الكمي.
جون فاوست الذي عمل جنبا إلى جنب مع باول في "الاحتياطي الفيدرالي"، يقول "إنه لا يتصور فيه حدوث خلافات ضخمة بشأن السياسة النقدية"، إلا أن هذا يمكن أن يتغير فيما لو ارتفع التضخم إلى مستويات أعلى من 2 في المائة، أو أصيب الاقتصاد بركود حاد.
إذا كان قد شعر بتلك الضغوط الوشيكة عندما كان يقف بثبات إلى جانب الرئيس يوم الخميس، فإن باول ثابت الجنان لم تظهر عليه علامات على ذلك.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES