FINANCIAL TIMES

رياح مواتية تملأ أشرعة السلع الصناعية

تحقق السلع الصناعية نجاحا كبيرا منذ فترة؛ النفط والنحاس وسوق المعادن المتخصصة، مثل الكوبالت، جميعها ارتفعت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مستويات لم تبلغها منذ سنوات، مدعومة جزئيا بأقوى نمو عالمي وأوسعه انتشارا منذ الأزمة المالية.
هذا التحرك الذي شهد سعر خام برنت يتجاوز 60 دولارا للمرة الأولى منذ عامين، والنحاس يتجاوز سبعة آلاف دولار الشهر الماضي، اقترن بتجدد الاهتمام من صناديق التحوط والمستثمرين الذين كانوا قد تخلوا إلى حد كبير عن القطاع خلال فترة ركود عميقة سادت على مدى السنوات الثلاث الماضية.
الآن، مع انتعاش النمو والشح في أسواق السلع الأساسية بسبب نقص الاستثمارات ومحاولات المنتجين كبح جماح الإنتاج، يقول بعض محللي الصناعة والتنفيذيين فيها إن الصناديق بدأت مرة أخرى تُعامل السلع الأساسية على أنها أصول مستهدفة، للاستفادة من النمو العالمي.
لكن في الوقت الذي تبدو فيه دورة السلع الأساسية آخذة في التحسن، يحذر المحللون والتنفيذيون من أن هذا ليس تكرارا لما يسمى "الدورات الفائقة" التي دفعت النفط والمعادن إلى مستويات مرتفعة قياسية خلال العقد الماضي، عندما تمكن التصنيع السريع في الصين من التغلب على تراجع الصناعة.
قال جوليان كيتل، نائب رئيس قسم المعادن والتعدين في شركة وود ماكينزي: "نحن الآن في الاتجاه التصاعدي لدورة السلع المعروفة، لكنه هذه المرة - في الوقت الذي يكون فيه الطلب قويا – مدفوع بقيود العرض بدلا من الزيادة المفاجئة في الاستهلاك التي لم تكن الصناعة مستعدة لها بطبيعة الحال".
وأضاف: "خلال السنوات الخمس الماضية كان يوجد نقص في الاستثمارات في قطاع المعادن، ولدرجة معينة في قطاع الطاقة، ومع أن الإمدادات جيدة نسبيا، إلا أن المستثمرين يرون أن المنتجين يخاطرون بتخزين المشاكل للمستقبل".
ويرى محللون أن القضية هي أن شركات التعدين وشركات إنتاج النفط أصيبت بأذى بالغ بسبب انهيار السلع الأساسية بحيث سحبت الاستثمارات من المشاريع الجديدة خلال فترة الركود.
وفي حين أن الطلب لا يرتفع الآن بالمعدل الذي كان عليه خلال العقد الماضي، إلا أنه يتوسع بشكل سريع يكفي لإثارة مشاعر القلق بشأن الإمدادات المستقبلية، على نحو يجتذب المستثمرين الراغبين في الاستفادة من النمو العالمي والحصول على تحوط ممكن ضد التضخم المتصاعد.
كارولين باين، كبيرة الاقتصاديين في مجال السلع الأساسية لدى كابيتال إيكونومكس في لندن، تقول: "هذا السلوك الجماعي الذي ينتهجه المستثمرون يذكرنا بالتأكيد بما شهدناه قبل عقد مضى". وتضيف: "لكن قسما كبيرا من هذا التفاؤل الذي نراه الآن يتعلق بالطلب في المستقبل. فتراجع الأسعار تسبب في تراجع الاستثمار بشكل كبير".
لنأخذ النفط، مثلا. كانت شركة السلع السويسرية "ترافيجورا" واحدة من أولى الشركات التي دقت ناقوس الخطر في أيلول (سبتمبر)، عندما حذرت من أن الطلب يمكن أن يتجاوز العرض بمقدار يصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا بحلول نهاية هذا العقد، بعد أن أوقفت شركات الطاقة تريليون دولار من الإنفاق على الإنتاج الجديد خلال انهيار أسعار النفط.
وفي حين يتم دعم السوق حاليا من خلال تخفيضات الإمدادات التي تفرضها منظمة أوبك، تتزايد الشكوك في أن تتمكن صناعة الزيت الصخري الأمريكي بمفردها على تلبية نمو الطلب المستقبلي ـ الذي من المتوقع أن يحافظ على توسعه حتى عندما تشكل السيارات الكهربائية جزءا أكبر من السوق.
وخلال الأسابيع الأخيرة حشدت صناديق التحوط رهانا شبه قياسي على ارتفاع أسعار خام برنت في الأسابيع الأخيرة.
في قطاع المعادن، كانت الصناعة مغمورة بتقديرات تفيد بأن النمو في مجال السيارات الكهربائية سيعمل على تحويل أجزاء من السوق، مع استعداد النيكل - الذي يتخلف منذ فترة طويلة عن بقية المعادن الأساسية - لأن يشهد ارتفاعا كبيرا في الطلب في الوقت الذي يزداد فيه استخدام البطاريات، في حين يعتبر النحاس أيضا مستفيدا بسبب استخدامه في نقاط شحن السيارات.
الكوبالت، المعدن الضروري في تكنولوجيا البطاريات الحديثة، أصبح أيضا المحبوب الجديد للصناعة، مع تعرض الإمدادات لهيمنة مناطق الاختصاص، مثل الكونغو الديمقراطية، حيث يجري تعدين 50 في المائة من المعدن. وارتفعت الأسعار 200 في المائة خلال الـ 18 شهرا الماضية.
إيفان أرياجادا، الرئيس التنفيذي لشركة إنتاج النحاس "أنتوفاجاستا" في تشيلي، قال هذا الأسبوع إن الحديث حول المركبات الكهربائية يعني أن المستثمرين يتعاملون مع المعادن والتعدين بمنظور مختلف.
وأضاف: "عموما، كان يتم اعتبارنا صناعة تقع على طرف الاقتصاد الحديث وكل هذا السرد المتعلق بالمركبات الكهربائية يبين أن المعادن مهمة جدا".
إيان روبر، المدير العام لشركة بيانات المعادن الصينية "إس إم إم"، يلاحظ أن قضايا العرض وليس الطلب هي التي تقدم الزخم الرئيس للانتعاش الذي حصل في المعادن الصناعية. أعطت الصين الأولوية لخفض التلوث، ما أدى بها إلى فرض قيود على المناجم والمصاهر التي تتعامل مع كثير من المعادن والمواد المعدنية الرئيسة، بما في ذلك الصلب والفحم.
قال روبر: "أعتقد أننا رأينا كل عوامل التضييق على جانب العرض ونقص الاستثمارات في مناجم جديدة على الصعيد العالمي الأمر الذي يمكن أن يضع السلع الأساسية على أساس متين جدا خلال دورة السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة".
مع ذلك، لا تستفيد جميع السلع الأساسية من ذلك. فلا تزال السلع الزراعية، بدءا من الحبوب وصولا إلى البقوليات، تحت وطأة المحاصيل الوفيرة.
وبالنسبة للذهب الذي يغلب عليه يعمل أداة تحوط ضد النمو الاقتصادي الضعيف، من المرجح أن يواجه رياحا معاكسة.
بول هورسنيل، رئيس بحوث السلع الأساسية في ستاندرد تشارترد، قال إن الرسالة الأساسية تفيد بأن المستثمرين لا يزالون بحاجة إلى اختيار وانتقاء السلع الأساسية والشركات التي تنتجها بحذر. "ربما لا يكون هذا تصاعدا في المد من النوع الذي يعمل على رفع جميع السفن".
"كل نوع من السلع التي شهدت ارتفاعا في أسعارها له قصته الخاصة به وأساسياته، لذلك يحتاج المستثمرون إلى اتخاذ الحيطة والحذر. في كثير منها الارتفاع يحدث بكل بساطة لأن الأسعار كانت متدنية دون الحد".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES