نمو في ظل أسعار نفط منخفضة .. كيف؟

|

تطور الاقتصاد السعودي ونما كثيرا خلال السنوات الـ40 الماضية. لكن الإنفاق الحكومي كان المحرك لهذا التطور والنمو، من خلال تشغيل عوامل الإنتاج من رأسمال وأرض ويد عاملة، أما التطور في الإنتاجية وفي رأس المال البشري فقد كان دون الطموحات كثيرا. ونعرف أن إنفاق الحكومة يعتمد على إيرادات النفط، حيث شكل عادة خلال هذه الأعوام الـ 40 الماضية بين 80 و90 في المائة من إيرادات المالية العامة. وللتوضيح، فإني أقصد بكلمتي نمو وتطور هنا المعنى الأولي وهو زيادة الحجم بغض النظر عن ماهية وأسباب هذه الزيادة.
ومعروف أننا مررنا خلال هذه السنوات الـ40 بطفرتين في أسعار النفط فإنفاق الحكومة فنمو الاقتصاد. الملاحظ حديثا أن تأثر الاقتصاد بانخفاض أسعار النفط هذه المرة أقل مقارنة بتأثره من انخفاض الأسعار خلال فترة انخفاض أسعار النفط السابقة، أي منذ أواسط عقد الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي إلى أواسط العقد الأول من هذا القرن الـ21 .. كيف؟ انخفضت مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من نحو 65 في المائة إلى نحو 40 في المائة خلال فترة انخفاض أسعار النفط السابقة. أما منذ بدايات العقد الماضي، أي قبل نحو 15 عاما، فيلاحظ تحسن النمو في القطاع الخاص غير النفطي. وزادت حصته في الناتج المحلي من نحو 20 في المائة إلى نحو 40 في المائة العام الماضي. ويلاحظ أن الناتج المحلي بالأرقام الحقيقية "أي بعد استبعاد تأثير التضخم" أقل تأثرا بتذبذب أسعار النفط. ويعزو باحثون اقتصاديون كثيرون ومنهم صندوق النقد الدولي في دراسة له بعنوان SAUDI ARABIA SELECTED ISSUES IMF oct 2016 يعزون ذلك إلى الإنفاق الرأسمالي الذي بذل لسنين طويلة، وإلى إصلاحات عملت بما أدى إلى زيادة دور وإسهام القطاع الخاص، وإلى إصلاحات في المالية العامة، وهي وإن كانت متأخرة وبسيطة دون الطموحات بكثير، إلا أنها أدت إلى تقليل نسبي في درجة تأثر الإنفاق الحكومي بالتغيرات في دخل النفط.
لكن، رغم ما سبق، فما زال النفط مهيمنا على نمو الاقتصاد. وهذه النقطة تؤدي بنا إلى النقطة التالية.
حاليا لدينا انخفاض في أسعار وإيرادات النفط "حتى مع التحسن النسبي في أسعاره". ومع هذا الانخفاض بدأ تطبيق برامج جادة تستهدف خفض العجز في الميزانية. المعضلة أن كليهما يدفعان إلى خفض نمو الاقتصاد. هذه مسألة واضحة للعيان، وحدوثها ليس في المملكة فقط بل في معظم الدول المعتمدة بشكل كبير على تصدير النفط.
تدل أبحاث كثيرة في دول عديدة على أن الإنفاق الرأسمالي ذو تأثير أقوى في نمو القطاع الخاص مقارنة بالإنفاق الجاري. والمقام لا يناسب عرض نتائج هذه الأبحاث لأنها مكتوبة بلغة تقنية يصعب فهمها على أغلبية القراء.
يهم كثيرا أن أشير إلى أن قدر التأثير يعتمد على عوامل من أهمها مدى كفاءة الإنفاق الرأسمالي.
من أهم ما يستخلص من النتيجة السابقة أن الإصلاحات في المالية العامة تعطي تأثيرا إيجابيا بعيد المدى، ولكنها تحمل أعباء وتكاليف تضعف النمو على المدى القصير. وهنا التحدي في كيفية تقليل هذا الضرر دون إضعاف التأثير بعيد المدى.
المحرك لنمو غير القطاع النفطي هو عوامل الإنتاج، رأس المال، واليد العامة. ولكن لوحظ أن تأثير إنتاجية عوامل الإنتاج في نمو الاقتصاد أقل مما يفترض أو ينبغي أن يكون. ولتسهيل الفهم يطلق الاقتصاديون مسمى إنتاجية على مدى كفاءة وحسن الاستفادة من رأس المال واليد العاملة في عملية الإنتاج. وللإنتاجية طرق تقاس بها في البحوث والدراسات.
انطلاقا من وجود مشكلة ضعف نسبي في الإنتاجية، فإن السؤال التالي: كيف نحسنها؟
أدوات ووسائل التحسين كثيرة، أذكر منها عناوين على سبيل التمثيل لا الحصر: إصلاح التعليم بما يؤدي إلى رفع مهارات وإنتاجية الخريجين ــ مكافحة الفساد ــ تحسين أنظمة وسياسات وبرامج الخدمة المدنية بما يحسن الأداء والإنتاجية ــ الخصخصة في إطار حوكمة قوي في العمليات ذات الطابع التجاري التي تدار حكوميا في الوقت الحاضر ــ تحسين مناخ الاستثمار وممارسة الأعمال بصورة عامة.
تحسين مناخ الاستثمار وممارسة الأعمال، على سبيل المثال، يحتاج إلى تدرج في تطبيق برامج التوازن المالي. وهذا ما أعلنه وزير المالية قبل أيام.
من المتطلبات التي بدئ أو سيبدأ بها التوسع في المدن الصناعية والتقنية. وزيادة فعالية التنسيق بين الأجهزة الحكومية.
من جهة اليد العاملة، مطلوب زيادة الاهتمام بالتدريب والتوسع في توفير وسائط النقل العامة، وفي برامج ومراكز الحضانة وغيرها.
والحديث طويل عريض وذو شجون.

إنشرها