أسرار المدن الملونة «1»

|

الألوان تمنح للحياة معنى وللكون الجمال، تخيل لو أنك ترى الكون بلون واحد من دون زرقة السماء وخضرة الشجر وشفافية الماء وحمرة الشفق وخيوط الشمس الذهبية!
لذا حرص البشر على تلوين حياتهم، وملابسهم، ومنازلهم، وأبنيتهم، واستقوا ألوانهم من روح الطبيعة لتتحول بعض المدن إلى لوحات فنية تقف مشدوها أمام جمالها وتشد الرحال إليها لما تمنحه للنفس البشرية من بهجة وسرور!
لندخل سويا إلى مدينة شفشاون المغربية ذات الأبنية والطرقات الضيقة المطلية باللون الأزرق كواحدة من أجمل مدن العالم، تأسست في عام 1470م على يد ابن رشد، وشفشاون اسم مشتق من الشاون بمعنى القرن في إشارة إلى قمتين بارزتين لجبل في أعلى المدينة، شيدت لإيواء المسلمين الذين طردهم الإسبان وظلت مغلقة بعد سقوط الأندلس، وتوشحت نساؤها بالسواد ورفعت الرايات السود على مآذنها حدادا على سقوط الأندلس. يقال إن اليهود المغاربة هم من اختاروا لها هذا اللون قبل مجيء المسلمين إليها فاللون الأزرق مذكور في التوراة ويرمز للقدسية والتوازن فهو يحاكي السماء لتذكيرهم بالله دوما. في الستينيات شهدت المدينة إقبالا كبيرا من السياح. وقد تتساءل ما سر اللون الأزرق؟ لقد مزجوا الجير بمادة النيلة الزرقاء التي كانت توضع مع آخر غسلة للملابس البيضاء لمنحها بياضا ناصعا، وطلوا بها كل شيء حتى كراسيهم.
ومنها إلى مراكش عاصمة الملوك أو المدينة الحمراء، سميت بالحمراء لاعتماد سكانها على اللون المائل إلى الأحمر الآجوري في طلاء أبنيتها وأسوارها والسر في ذلك راجع إلى ارتفاع درجات الحرارة في المدينة ما دفع سكانها إلى اختيار اللون الأحمر ودرجاته لطلاء وبناء مساكنهم لقدرته على امتصاص الضوء القادم من السماء فيخفف من حرارة الجو، وينص قانون المدينة على عدم تغييره عند تجديد المنازل فهو محمي بقوة القانون ولهم الاختيار بين تسعة أنواع من اللون الأحمر!
وعندما نتجه شرقا من المؤكد أننا سنزور مدينة أيبور عاصمة ولاية راجستان الهندية التي تعرف باسم المدينة الوردية نسبةً إلى أحجارها الرملية التي تتلون باللون الوردي، وهي مدينة تلفت الانتباه وتسترعي النظر بين مدن الهند المختلفة، بشوارعها المنظمة والواسعة، وتعتبر مقصدا سياحيا شهيرا في ولاية راجستان والهند. جميع المباني داخل مركز المدينة تتزين باللون الوردي، ويعود هذا الاختيار غير العادي للون إلى القرن الـ19 عندما أمر ملك راجستان أن تكون جميع المباني مطلية باللون الوردي قبل زيارة الأمير البريطاني ألبرت أمير ويلز لها في عام 1876م، بهدف إضفاء روح الضيافة والترحيب على الزيارة، ليكتمل جمالها السريالي بالرسومات الزاهية التي تمنح المدينة منظرا حضاريا مشرقا مع الاحتفاظ بعبق الماضي!

إنشرها