FINANCIAL TIMES

السيولة .. الاختبار الحقيقي لرئيس "الاحتياطي الفيدرالي" المعين

الأفعال لها وقع أكبر من الكلمات. الحمامة تبقى حمامة، ويبقى الصقر صقرا. من الممكن إنكار تلك الأمور على المدى القصير، ولا سيما في عالم البنوك المركزية الغريب وألعاب التواصل الخاصة بها مع الأسواق. على المدى الطويل هذه أمور لا يمكن إنكارها.
خذ ذلك في الحسبان بعد أسبوع من الإجراءات المهمة بشكل هائل في عالم البنوك المركزية، التي تم الترحيب بها جميعا حتى الآن - بفضل الخطابات التي رافقتها - كما لو أنها كانت على عكس ما حصل في الواقع.
لم تعد جميع البنوك المركزية في حالة تزامن في الوقت الذي تنحسر فيه صدمة الأزمة المالية. في الأسبوع الماضي، كشف البنك المركزي الأوروبي النقاب عن "عملية تقليص مسالمة". بمعنى أنه بدأ في تقليل كمية الأموال التي ينفقها في عمليات شراء الأصول في محاولة لتحفيز الاقتصاد الأوروبي. في حال تساوي جميع الأمور الأخرى، من المفترض أن هذا يعني ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع اليورو، على اعتبار أن البنك المركزي الأوروبي لم يعد يعمل جاهدا على إبقائها منخفضة.
لكن التشخيص والتعليقات التي رافقت عملية التقليص كانت "مسالمة" جدا – وهو تعبير مستخدم في البنوك المركزية لإظهار أنه لا توجد حاجة ملحة لمكافحة التضخم - بحيث انخفضت عائدات السندات. الإجراء الذي كان يفترض فيه أن يؤدي بشكل مباشر إلى تشديد الأوضاع النقدية عمل بدلا من ذلك على تخفيفها.
في الأسبوع الأخير قدم لنا بنك إنجلترا الذي يمضي قدما في عملية إزالة التدابير الطارئة التي فرضت منذ الأزمة، "زيادة مسالمة في أسعار الفائدة". رفع البنك سعر الفائدة الرسمي - للمرة الأولى على الإطلاق منذ أكثر من عقد من الزمن - ومع ذلك قدم توقعات متساهلة تماما حول نواياه المستقبلية إلى درجة جعلت العائدات على السندات الحكومية البريطانية تنخفض، جنبا إلى جنب مع الجنيه الاسترليني.
على المدى القصير مثل هذه الألعاب المتعلقة بالتواصل لها دلالتها، لكن ليس على المدى الطويل. رفع سعر الفائدة يعني أن أسعار الفائدة سترتفع. إذا أردنا إجراء تجربة فكرية، حاول أن تتخيل كيف يمكن أن يبدو إعلان الحرب بشكل مسالم. يستطيع الدبلوماسيون أن يشنوا أعمالا عدائية بشكل مؤدب جدا، لكنها ستبقى حربا.
هذا يقودنا إلى التطور الصاعق الذي حصل الأسبوع الماضي في "الاحتياطي الفيدرالي". فللمرة الأولى منذ عام 1935، عندما تم تنظيم البنك ليتخذ شكله الحالي، لم يتم منح رئيس مجلس الإدارة فترة ولاية ثانية رغم استعداده لذلك. يغلب على رؤساء "الاحتياطي الفيدرالي" الخدمة لفترة زمنية طويلة والاستثناء الوحيد منذ الحرب، ويليام ميلر، الذي غادر البنك لكي يتولى منصب وزير المالية. وقد تم ترشيح كل من الرؤساء الثلاثة السابقين من قبل رؤساء كلا الحزبين.
لذلك قرار الرئيس دونالد ترمب استبدال جيروم باول بجانيت ييلين يعد بمنزلة تطور هائل. مع ذلك تم التعامل معه على أنه مسألة استمرارية. فباول هو في الأصل أحد أعضاء مجلس الإدارة، ولم يعارض قط أي قرار اتخذته ييلين له علاقة بالسياسة النقدية، ويحظى بسمعة طيبة بأنه قادر على التوفيق بين الآراء المختلفة. لقد تم الأخذ في الحسبان مرشحين آخرين لديهم آراء حول السياسة النقدية تعارض بشدة رأي ييلين، وبالتالي تم التعامل مع اختيار باول على أنه يمثل الوضع الراهن.
باول رجل أعمال ناجح جدا شغل مناصب عليا في وزارة المالية، وليس هناك سبب وجيه في ألا يكون قائدا ممتازا لـ "الاحتياطي الفيدرالي". لكن سابقة عدم منح ييلين فترة ولاية ثانية لا تزال أمرا هائلا، خاصة أن من الواضح أن سياستها النقدية المثيرة للجدل لم تكن هي المسألة الرئيسية.
باول عضو رسمي في الحزب الجمهوري، في الوقت الذي تنتمي فيه ييلين إلى الحزب الديمقراطي. وعلى الرغم من أن باول تحدث بقوة دفاعا عن استقلالية "الاحتياطي الفيدرالي"، يشير هذا القرار إلى وجود تسارع في عملية تسييس البنك. ويمكن أن يؤكد أن المهمة الأساسية للبنك المركزي الأمريكي، وللبنوك المركزية الأخرى، تشهد تغيرا الآن. ولدى باول اهتمام كبير بتنظيم المصارف وبإصلاح النظام المالي، ويتشارك مع كثيرين في السوق اهتمامهم وقلقهم من مسألة السيولة.
في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز" في العام الماضي، قال باول في معظم الوقت وفي معظم الأسواق "السيولة لا بأس بها. لكنها قد تكون أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للاختفاء في حالات الإجهاد". وأضاف "لم تكن هناك حادثة مرتبطة بالسيولة وفي الوقت نفسه كان لها تأثير كبير في الاقتصاد الحقيقي. لكن هذا لا يعني أن ذلك لن يحدث".
هذا هو بالضبط ما يجعل كثيرين يشعرون بالخوف في السوق. فقد عملت ضخامة عمليات الإنقاذ التي نفذها البنك المركزي على جعل الأموال تتجول بحرية في النظام المالي، الأمر الذي ساعد أيضا على تعزيز تغيير في مفهوم السيولة. على حد تعبير المختص الاقتصادي الحكيم، هنري كاوفمان، "اعتدنا على أن السيولة تعني الأموال النقدية المتوافرة في متناول اليد، لكنها تعني الآن إمكانية الوصول إلى الائتمان. وإمكانية الوصول هذه تأتي من خلال أنابيب نظام مالي معقد، تكون فيه المصارف أكثر ترددا بكثير مما كانت عليه في دورها صانعة للسوق في مجال السندات والائتمان".
على مدى السنوات القليلة المقبلة لا بد من سحب السيولة التي تتجول بحرية عبر تلك الأنابيب إذا أرادت البنوك المركزية تجنب تسارع للاقتصاد العالمي "ارتفاع الأسعار دون ارتفاع الناتج". السبب في أن بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي يبدوان حريصين جدا على التقليل من أهمية إجراءاتهما الحالية، في الوقت الذي يبدآن فيه سحب تلك السيولة، هو شعورهما بالخوف من التسبب في حادثة في حال تلاشت السيولة.
كذلك القلق بشأن السيولة يفسر أيضا السبب في أن الذين يتطلعون إلى الأسواق المالية يغلب عليهم الشعور بالقلق بشأن المستقبل بشكل أكبر بكثير من الذين يتطلعون إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث تبدو جميع المحركات الرئيسية للنمو - الصين ومنطقة اليورو والولايات المتحدة - قوية. ومع وصول عدد البلدان التي تعاني ركودا إلى أدنى مستوياته منذ عقود، أخذ الأمر يبدو كأن التكتيكات المستميتة التي تطبقها البنوك المركزية بدأت بالفعل تؤتي أكلها في النهاية.
الخطر هو أن البنوك المركزية لن تكون قادرة على الانسحاب من دون إثارة أزمة. باول الذي كان يتعين عليه عندما كان موظفا في وزارة الخزانة الأمريكية، المساعدة على التخفيف من الفوضى حين تم الإمساك بمصرف سالومون براذرز وهو يحاول التلاعب في المزادات على سندات الخزانة الأمريكية في مطلع التسعينيات، يتفهم تلك القضايا. سيتعرض للاختبار. وعندما يحصل ذلك، لن يكون للكلمات أي معنى. أفعاله ستكون هي المهمة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES