هواء الرياض .. يزداد تلوثا

|

يبدو أن معدل انبعاثات ملوثات الهواء في بعض أرجاء مدينة الرياض ازداد في الآونة الأخيرة. واشتكى أخيرا ــ لأيام متعددة ــ كثير من سكان شرق وجنوب العاصمة من ازدياد مشكلات التنفس الناتجة عن انبعاث الملوثات، واضطرار عديد منهم للذهاب إلى المستشفيات، للتخفيف من آثار ضيق التنفس والحساسية والربو وعدد آخر من الأمراض. وجاءت الملوثات الأخيرة على عدة أنواع، فتارة تأتي كروائح كيميائية غريبة نفاثة وقوية، وتارة أخرى تنتشر روائح تسد الأنوف لمخلفات كريهة تغطي المنطقة لبعض الوقت، وأحيانا تنتشر في بعض المناطق ــ خصوصا في الصباح الباكر ــ روائح حرق المواد أو المخلفات التي تغطي مساحات واسعة وتستمر لفترة غير قصيرة. كما تظهر بشكل واضح في بعض أرجاء المدينة وطرقها الرئيسة أدخنة بنية أو زرقاء.
تتسبب ملوثات الهواء في آثار سيئة في صحة البشر، خصوصا الأطفال وكبار السن، الذين يصاب كثير منهم بأمراض التلوث، لكن لا يدرك بعضهم دور التلوث في حدوثها أو زيادة حدتها. ومن الغريب صمت الجهات المسؤولة عن المخاطر الصحية المتصاعدة من تلوث الهواء، حتى إنها لا تصدر أي تحذيرات لسكان المناطق المتأثرة حول مستويات التلوث. ومن الجهات المسؤولة وكالة البيئة التابعة لوزارة البيئة والزراعة والمياه، والهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة، اللتان يشير اسماهما إلى اختصاصهما بقضايا التلوث. وقد تصفحت موقعي الوكالة والهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة على الشبكة العالمية ولم أجد أي تحذيرات أو بيانات أو معلومات آنية أو تاريخية عن جودة الهواء. كما لا توفر الجهتان على موقعيهما أي إرشادات حول التعامل مع معضلات التلوث وطرق الإبلاغ وتقديم شكاوى السكان البيئية. أما الجهة المسؤولة عن إصدار البيانات العامة وهي هيئة الإحصاءات العامة، فلا تصدر أي معلومات أو بيانات عن جودة الهواء. وللاطلاع على بيانات التلوث في المملكة يضطر المرء إلى اللجوء إلى المؤسسات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية التي تصدر بيانات تاريخية تزودها بها الجهات الرسمية في المملكة.
تصدر منظمة الصحة العالمية بيانات عن جودة الهواء في بلدان ومدن العالم. وجاء هواء عاصمتنا الرياض الأكثر تلوثا في المملكة، والعالم العربي، حسب أحدث البيانات. واحتلت العاصمة المركز الرابع عالميا في تركز جسيمات التلوث الدقيقة، والسابع في تركز جسيمات التلوث الخشنة، حسب بيانات المنظمة. وتفوق معدلات تلوث الهواء السنوية في الرياض 15 ضعف المعدلات الموصوفة بأنها آمنة من قبل منظمة الصحة العالمية. تعود بيانات المنظمة لعام 2014، ولهذا فإن من المرجح تزايد تركز الملوثات في الهواء مع مرور الزمن، وسيزداد ما لم تتخذ إجراءات قوية للتصدي له. ويتسبب تردي جودة الهواء في أي منطقة في إحداث آثار سلبية في بيئة المنطقة وصحة المقيمين فيها. وتفيد بعض التقارير مثلا بارتفاع حالات الربو لدى الأطفال في المملكة، حيث يعاني طفل من كل ثلاثة في المدارس الربو.
تدق بيانات جودة الهواء في الرياض ومدن أخرى ناقوس الخطر من تفاقم معضلة تلوث الهواء، وهذا يتطلب تحركا حاسما وسريعا لخفض معدلات انبعاثات الغازات الضارة. وتتحمل الجهات المختصة بالبيئة واجبا أخلاقيا تجاه السكان، خصوصا المعانين من آثار الانبعاثات الضارة. ولهذا فإن عليها تفعيل سياسات خفض الانبعاثات، وكذلك زيادة أنشطتها في جمع بيانات ملوثات الهواء ونشرها، وإصدار تحذيرات عن مستويات الملوثات وأماكن تركزها، لمساعدة السكان على خفض المخاطر الصحية الناتجة عنها. ويتأثر الأطفال، وكبار السن، والمرضى ــ بأمراض التنفس والقلب، والعاملون في الأماكن المكشوفة بآثار التلوث بشكل أكبر من الآخرين.
إن اهتمامنا بعواقب التلوث منخفض على الرغم من خطورته على صحة الإنسان والحياة بوجه عام، لكن هذا لا ينبغي أن يمنع المسؤولين من تبني وتفعيل برامج التصدي للتلوث والعمل على خفضه في أسرع وقت. وخطت دول العالم المتقدم خطوات واسعة في سياسات الحد من التلوث، بل نجح كثير منها في خفض معدلاته الخطرة. فهناك مدن تمنع استهلاك الوقود الصلب كالفحم والحطب عند ارتفاع معدلات التلوث، وتوجد مدن أخرى تقنن حركة المركبات عند مستويات حرجة، كما تصنف عدة مدن عالمية بعض ملوثات الهواء سموما. يتطلب خفض مستويات تلوث الهواء بشكل كبير برنامجا طويل الأمد، يفرض معايير صارمة وغرامات مالية على انبعاثات الغازات الضارة من وسائل النقل والآلات والمصانع والمزارع، والحد من فوضى أنشطة الإنشاءات ومشاريع البنية الأساسية، ورفع جودة الوقود البيئية وزيادة كفاءة استخدامه، وتطوير وسائل النقل العام، ونقل الصناعات الأكثر تلويثا للهواء بعيدا عن التركزات السكانية، ونشر ثقافة التصدي للتلوث في المجتمع. ويمكن أيضا اتخاذ بعض الإجراءات العاجلة مثل التحول بأسرع وقت إلى استخدام الديزل والبنزين منخفض الكبريت، وإبعاد أماكن حرق المخلفات عن المدن، وتقنين انبعاثات وحركة المركبات وعمل المصانع عند ارتفاع معدلات التلوث، وإجبار كبار الملوثين كمصنع الأسمنت ومصفاة الرياض ومصانع الكيماويات على خفض انبعاثاتها إلى أدنى حد ممكن، خصوصا أثناء الظروف الجوية التي تفاقم تراكم الملوثات.

إنشرها