لا تكرروا خطئي

|

رزقني الله قبل عدة سنوات زمالة صحافي مميز اسمه خالد الطويلي. يتمتع بحس مهني عال، وجدية وحماسة. والأهم من كل ذلك المثابرة والإصرار. حالت ظروفه الشخصية دون إكمال دراسة البكالوريوس مبكرا. بيد أنه التحق بوظيفة جيدة إثر مهاراته وتابع دراسته وهو على رأس العمل. كان يتحدث عن دراسته بشغف وحب كبيرين رغم كل التحديات الكبيرة التي كانت تواجهه وتعترض مشواره العلمي. أغلب الزملاء راهنوا على عدم قدرته على التوفيق بين وظيفته وأسرته والدراسة. فالحب وحده غير كاف للنجاح فيها جميعا. لكن أثبت خالد أنهم كلهم على خطأ وهو على صواب. تخرج بتفوق كبير. ثم تقدم لدراسة الماجستير دافعا صدره للأمام ومتسلحا بإرادة حديدية. انغمس في الأبحاث بشكل هائل. أصبحت كل الحوارات التي تجمعنا يصب جلها في محور واحد وهي المراجع والدراسات التي يعكف عليها. بعد أن انتقلت إلى منطقة عمل أخرى دعاني إلى كوب قهوة لنتحدث عن كتاب ينوي إصداره مستوحى من رسالة الماجستير التي يعدها. أرجأ انهماكي في العمل وانتقالي إلى مدينة أخرى هذا اللقاء. بعدها تلقيت نبأ سيئا يتجسد في إصابة حبيبنا خالد بمرض عضال. قدرني الله وزرته في المستشفى. كانت حالته الصحية محزنة جدا. لكن معنوياته عالية جدا. حاولت أن أكفر عن ذنبي وسألته عن كتابه لعلنا نتناقش فيه خلال لقائنا في المستشفى، ابتسم في وجهي وقال لي بصوت خفيض يشبه الهمس: "عبدالله، للأسف لا أستطيع أن أمسك قلما أو حتى أقرأ جيدا الآن. دعنا نتحدث عنه لاحقا بإذن الله. دعواتك لي". انصرفت عنه وحزني يستفحل ويتمدد. ولم تمر أيام قليلة حتى سمعت نبأ وفاته. توفي خالد وهو في مقتبل الأحلام. رحل وما زال في جعبته كثير.
حزنت جدا على رحيله وعلى عدم استجابتي المبكرة لدعوته للحديث عن كتابه. كنت أعتقد أن هناك متسعا من الوقت لنتحاور ونلتقي لكن لم يكن فعلا هناك متسع.
درس كبير استفدته من تجربة خالد، رحمه الله، أتمنى أن أتعلم منه وتتعلموا. لا تتأخروا في الاستجابة لدعوات أصحابكم وأحبتكم. الوقت ليس كريما جدا كما نتصور. الأعمال والمشاغل لا تغيب لكن هم ونحن نغيب. وحينما يرحلون سينهبنا ويفترسنا الندم والحزن. لا تكرروا خطئي وضعوا أحبتكم وأصحابكم في قائمة أولوياتكم.

إنشرها