FINANCIAL TIMES

ابتكار يبين كيف تخسر الشركات لعبة الابتكار

من الصعب ألا تكون معجبا - وربما قلقا قليلا - من مستوى التقدم. في عام 1997 فاز كمبيوتر "آي بي إم" العملاق "ديب بلو" Deep Blue على أعظم لاعب شطرنج في العالم، غاري كاسباروف. لقد كان جهازا مكلفا للغاية، ويلقى عناية كبيرة، ويتم تدريبه من قبل البشر.
لكن إتقان لعبة "جو" Go من قبل أجهزة الكمبيوتر أصعب بكثير من إتقان الشطرنج. ومع ذلك، عندما ظهر برنامج "ألفا جو" AlphaGo مع ضجة صاخبة في عام 2016، تفوق بسهولة ويسر على أفضل لاعبي Go في العالم بعد بضعة أشهر من التدريب.
من ثم، كشفت شركة أبحاث الذكاء الاصطناعي "ديب مايند" في الأسبوع الماضي عن "ألفا جو زيرو" AlphaGo Zero. هذا برنامج أسرع، ويستخدم أجهزة أقل، وتغلب على سلفه "ألفا جو" في 100 مباراة مقابل لا شيء، وهو يتعلم بشكل ذاتي تماما. أكثر من ذلك، أنه حقق هذا الأداء بعد 72 ساعة فقط من الممارسة.
التقدم المحير الذي حققه "ألفا جو زيرو" أثار موجة من القلق المحموم أصلا حول استيلاء الروبوتات على الوظائف والتسبب في بطالة جماعية. ومع ذلك، القلق يتناقض مع ارتفاع معدلات العمالة ونمو الإنتاجية المخيب للآمال الذي نراه في الولايات المتحدة وبشكل خاص في المملكة المتحدة. هناك الكثير من الوظائف، لكن على ما يبدو ليس الكثير من الابتكار.
هناك عدد من التفسيرات المحتملة لهذه المفارقة، أبسطها هو أن "ألفا جو زيرو" ظاهرة نشاز. الإنتاجية والتقدم التكنولوجي باهتان لأن الأبحاث التي تقف وراء "ألفا جو زيرو" ليست أنموذجية من حيث الطريقة التي نسعى بها لإنتاج أفكار جديدة.
وجهة نظر كاسباروف الخاصة بهذا رائعة. في كتابه الأخير، "التفكير العميق"، يقتبس عن عالم الكمبيوتر الراحل، ألان بيرليس: "العمل على نحو أمثل يعيق التطور". في حالة الشطرنج الحاسوبي، تصف حكمة بيرليس الباحثين الذين اختاروا اختصارات براغماتية لتحقيق نتائج سريعة. وكان قد تم إهمال البحوث الأكثر عمقا والأكثر خطورة. لم تكن أولوية "آي بي إم" مع "ديب بلو" هي المعرفة، ولكن الفوز - وكان الفوز طريقا علميا مسدودا.
هذا أمر يؤسف له. كان من رأي رواد الحوسبة، مثل ألان تورينج وكلود شانون، أن الشطرنج قد يكون حقلا خصبا للبحوث لتطوير الذكاء الاصطناعي نحو مجالات أكثر فائدة. تم تهميش هذا الأمل بسرعة بسبب مناهج القوة الغاشمة التي علمتنا القليل ولكن كانت قوية في لعبة الشطرنج.
من السهل أن نرى لماذا كان لدى أي شركة القليل من الاهتمام بالأساليب الأولى للتعرف على الأنماط، التي تم صقلها الآن ببرنامج "ألفا جو". كاسباروف يتحدث عن محاولة لاستخدام هذه الأساليب في الشطرنج. بمراقبة سادة الشطرنج الذين فازوا على الفور بالمباريات التي ضحوا فيها بملكاتهم، خلص الجهاز إلى أنه ينبغي أن يضحي بالملكة لديه في كل فرصة.
لكن في النهاية أثبتت أساليب التعرف على الأنماط هذه أنها أقوى بكثير وقابلة للتطبيق بوجه عام من الأساليب التي تستخدمها أفضل أجهزة الكمبيوتر التي تلعب الشطرنج. والسؤال هو ما إذا كنا نرغب في تغيير عالمنا، أو مجرد الفوز بلعبة شطرنج.
هذه ليست مجرد حكاية تحذيرية حول الشطرنج. كبحت الشركات طموحاتها في أماكن أخرى. مختبرات أبحاث الشركات كانت في الماضي تمول البحوث الأساسية ذات الأهمية القصوى. فاز ليو إساكي، من "سوني" و"آي بي إم"، بجائزة نوبل في الفيزياء، كما فعل جاك كيلبي من شركة تكساس إنسترومنتس. وفاز إيرفينغ لانجموير، من جنرال إلكتريك، بجائزة نوبل في الكيمياء. وتفاخرت مختبرات بيل بإدراج قائمة بالكثيرين ممن حازوا على جائزة نوبل - جنبا إلى جنب مع شانون نفسه. كانت هذه فترة لم تكن فيها الشركات خائفة من الاستثمار في العلوم الأساسية.
هذا تغير الآن، كما يتبين من ورقة بحثية من ثلاثة خبراء اقتصاديين - آشيش أرورا، وشارون بيلينسون، وأندريا باتاكوني. لا تزال الشركات تستثمر بكثافة في الابتكار، ولكن التركيز على التطبيقات العملية بدلا من العلوم الأساسية، وكثيرا ما يتم الاستعانة بمصادر خارجية للبحث من شركات صغيرة يمكن بسهولة شراء وبيع ملكيتها الفكرية.
ينتج باحثو الشركات مزيدا من براءات الاختراع، لكنهم أقل وضوحا في صفحات المجلات العلمية. وكما يشير البروفيسور أرورا، أصبح البحث والتطوير "أقل بحثا، وأكثر تطويرا". ويقول إن أبحاث "ألفا جو" هي استثناء. وهذا أمر مهم لأن معظم البحوث الأساسية يكون مصيرها أن تكون مفيدة من الناحية التجارية في نهاية المطاف. نحن نحب البيض الذهبي، لكن ربما نجعل الوزة الذهبية التي تعطينا ذلك البيض تتضور جوعا.
كل هذا ليس بالضرورة أن يكون كارثيا إذا كانت الهيئات البحثية الأخرى، مثل الجامعات، تملأ الفجوة. إلا أن هذا ليس أمرا مفروغا منه. فكما وثَّق الخبير الاقتصادي، بنيامين جونز، يصعب العثور على أفكار جديدة. ومن علامات ذلك تعقيد فرق البحث، التي هي أكبر، وملأى بالباحثين المتخصصين على نحو متزايد وذات تكلفة متزايدة باستمرار.
لعل من السذاجة أن نحث الشركات ببساطة على إنفاق مزيد على البحوث الأساسية - لكن يجب على شخص ما أن يفعل هذا. ويتمثل نهج مثير للاهتمام في تمويل الحكومات "جوائز الابتكار" لتحقيق حالات الفتح العلمي. مثل هذه الجوائز تعمل على حشد الأموال العامة والأهداف العامة من خلال استخدام مناهج القطاع الخاص التي تتسم بخفة الحركة والتنوع. لكن هذه الجوائز لا تعمل إلا في حالات معينة.
الرياضة المحترفة جعلت من الرائج ممارسة "المكاسب الهامشية" – أي السعي السريع للوضع الأمثل بحثا عن أصغر ميزة للتفوق. وتبين أن أبحاث الشركات اتخذت هذا المنحى نفسه منذ عقود. لا بأس في التحسينات الهامشية، لكن يجب ألا يُسمح لها بأن تُخرِج الأبحاث ذات الطابع التأملي التجريبي. العلم هو ممارسة أعمق وأقل انتظاما من الرياضة. لا بد لنا من الاستمرار في تكريس الزمان، والمكان، والمال من أجل قفزات أكبر وأكثر خطرا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES