أدوات القرار الاستثماري في العقار

|

الاستثمار العقاري هو مزيج من الفن والعلم، وهذا يعني أن أنه لا يمكن فقط الاعتماد تماما على الأرقام، كما لا يجوز أن يتم الاعتماد على الحدْس أو الأحكام النابعة من خبرة دون منطقتها كميا، ولذلك المستثمر الناجح هو من يستطيع أن يصل إلى مرحلة الموازنة بين الأرقام والمؤشرات الاستثمارية التي تظهر من خلال النماذج المالية والتحليل الكمي، وبين الإحساس الخاص والحكم الذاتي من خلال الخبرة والمعرفة، وهنا سنستعرض بعض أهم المؤشرات المالية التي يستخدمها مديرو الصناديق والمستثمرون العقاريون حول العالم، وذلك من خلال دراسة قام بها منتدى الاستثمار العقاري في لندن، ضمن برنامجه البحثي للأعوام 2015 إلى 2018، لكن الجدير بالذكر أن هذه المؤشرات ومدى تعقيد النماذج المالية التي تستخدم تعتمد بشكل رئيسي على السوق المستهدفة ونوعية العقارات التي تخضع للدراسة وكذلك مدى حجم المؤسسة المستثمرة، حيث وجدت الدراسة تأثير هذه العوامل بشكل كبير في الموازنة بين الأرقام والنماذج المالية والأحكام الذاتية والخبرات، فكلما كانت المنظمة أكبر وحجم استثماراتها أضخم وجدتها تميل إلى التعقيد في نماذجها المالية ومحاولة منطقة القرارات الاستثمارية، ويمكن تفسير ذلك بسبب وجود حوكمة أكثر صرامة في هذه المنظمات الكبرى، بينما وجدت الدراسة أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل في الاستثمار العقاري تتبع نماذج أقل تعقيدا وتعتبر مباشرة، وتميل إلى الأخذ بآراء مديريها ذوي الخبرة والدراية في السوق عند اتخاذ القرار الاستثماري، لكن تشترك أغلب المؤسسات مهما كان حجمها في ضعف فرضيات السيناريوهات المختلفة، التي عادة تبدأ من السيناريو المتفائل ثم المتوقع ثم الأسوأ، وكذلك تحليل الحساسية لأهم المتغيرات التي قد تؤثر في المؤشرات المالية التي على أساسها يتم اتخاذ القرار الاستثماري، ولذا كانت التوصية في هذه الحالة محاولة التطوير المستمر في النماذج المالية وتتبع المتغيرات في السوق، وإعادة النظر في النماذج كل فترة حتى تكون أقرب إلى واقع السوق ومعطياتها، ويمكن الاعتماد عليها "كميا" في اتخاذ القرار الاستثماري العقاري.
شملت دراسة منتدى الاستثمار العقاري قرابة 57 مستثمرا في المجال العقاري ما بين مديرين لصناديق عقارية خاصة و"ريت" وصناديق سيادية وشركات مساهمة عامة وكلهم يستثمرون في العقار على المستوى الدولي، وتوصلت نتائج التحليل للإجابات إلى أن هناك مؤشرات أساسية يستخدمها المستثمرون العقاريون كأدوات مالية يتخذون من خلالها القرار الاستثماري، وقد تصدر مؤشر معدل العائد الداخلي IRR-Internal Rate of Return جميع المؤشرات، حيث أوضحت النتائج أن 93 في المائة من الاستجابات وجدت أن هذا المعدل يعتبر أحد أهم ثلاث أدوات مالية، كما أن 66 في المائة أوضحوا أهميته، ولذا تفوق على جميع المؤشرات الأخرى، ويعتمد المؤشر بشكل رئيسي على تحليل تكاليف وعوائد المشروع العقاري حتى مرحلة التخارج المتوقعة مستقبلا، وتحليل هذه الأرقام خلال فترة الاستثمار والخروج بمعدل يمكن من خلاله معرفة ما إذا كان الاستثمار العقاري بمعطياته الحالية يمكن أن يحقق المعدل الذي يناسب المستثمر أم لا، وثاني المؤشرات التي يفضلها المستثمرون هو معدل العائد على رأس المال المستثمر Return on Invested Capital ROIC- الذي يمثل صافي الدخل التشغيلي بعد خصم أي رسوم على إجمالي رأس المال "تمويل ونقد"، وأغلب من يفضل هذه الأداة هم أصحاب الاستثمارات الخاصة والمطورون العقاريون، كذلك فإن صافي القيمة الحالية Net Present Value-NPV الذي يعبر عن القيمة الحالية للمشروع وفقا للتدفقات النقدية للمشروع سواء كعوائد أو تكاليف، ويتم اتخاذ القرار بالمضي قدما في حال كانت القيمة إيجابية وإعادة النظر في حال كانت سالبة، لكن العنصر الأكثر أهمية في هذا المؤشر هو اختيار معدل الخصم الذي يتناسب مع استراتيجية الاستثمار للمنظمة والتأكد من أنه يتوافق مع العوائد المتوقعة، وغالبا ما تفضل المنظمات الكبرى هذه الأداة مثل الصناديق السيادية وصناديق الريت والشركات الكبرى التي تستثمر بمليارات في سوق العقار المحلية والعالمية.
الخلاصة، كمستثمر لا بد من معرفة السوق التي تستثمر فيها حتى تستطيع استخدام الأدوات المالية المناسبة، لأنها تعتمد بشكل رئيسي على البيانات والمدخلات التي تعتبر ركيزة أساسية في صحة النتائج والحصول عليها بشكل دقيق وموثوق وهذا ليس بالهين في سوق العقار، كما أن استراتيجية الاستثمار تلعب دورا مهما في تحديد العوائد المتوقعة وضبط المؤشرات المطلوبة، فلا شك أن مشروع التطوير العقاري ستكون عوائده أكبر من شراء عقار قائم ومدر للدخل، وهذا كما هو معلوم يتناسب مع حجم المخاطر التي سيتحملها المستثمر، وأخيرا مهما كنت ذا حدْس ممتاز وتوقعاتك غالبا ما تصيب، فالأفضل أن تدعم هذا الحدْس والخبرة في السوق بأرقام، ويفضل أن تكون من جهة مستقلة استشارية تثق بقدراتها، كذلك من المهم مناقشة المدخلات ومنطقيتها، ووضع بصمات المؤسسة ورغباتها عند بناء النماذج المالية، لأن ذلك أدعى للوصول إلى طموحات المستثمرين، الذين بذلوا أموالهم، ولديهم توقعات محددة للعوائد من المهم أن تراعى.

إنشرها