بناء ثقافة الادخار في المجتمع

|

لا شك أن الادخار يعتبر من الأمور المهمة للفرد، باعتبار أن الإنسان يمر في حياته بحالة من التقلبات التي قد لا يستطيع توقعها أو تحاشيها، التي تتطلب وفرة مالية ليتمكن الفرد من مواجهتها ومعالجة أثرها، كما أن احتياجات الإنسان تتنوع بين ضرورية وكمالية، والضروري من احتياجات الإنسان قد يكون أمرا يمكن التخطيط له، أو من الممكن أن يكون أمرا يصعب توقعه، كما أن الإنسان بطبيعته تزيد احتياجاته مع تكوين أسرته وزيادة عددها وكبر أبنائه، ولعل من أهم الاحتياجات للإنسان التي ينبغي أن يخطط لها على سبيل المثال لا الحصر السكن، فشراء مسكن قد لا يتمكن الإنسان من تحقيقه في عام أو عامين أو أكثر، لارتفاع تكلفته مهما كان موقعه.
"رؤية المملكة 2030" حرصت على توفير بيئة وظروف معيشة أفضل للمواطن في المملكة، وارتأت "الرؤية" أن تعزز من جانب قدرة المواطن على الادخار، حيث تزيد نسبة الادخار لدى المواطن من 6 في المائة من دخله لتصل إلى 10 في المائة، وذلك من خلال مجموعة من البرامج الادخارية التي يمكن أن تمكن المواطن من الوصول إلى هذه النسبة التي تعتبر هي الأخرى محدودة. يوم 31 من تشرين الأول (أكتوبر) يعتبر اليوم العالمي للادخار، وذلك لوجود قناعة سائدة لدى المجتمعات بأهمية تنمية هذه الملكة والثقافة بين أفراد المجتمع بما يحقق لهم ظروف معيشة أفضل وأكثر استقرارا وسلاما، وكما جاء في الموقع العالمي ويكبيديا، أن هذه الفكرة أو المبادرة نشأت من ميلانو في إيطاليا في عام 1924 لنشر ثقافة الادخار في العالم، وهي ثقافة يشجع عليها الإسلام، حيث يقول تعالى "وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَة إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوما مَّحْسُورا"، وشواهد هذا الأمر من السنّة كثيرة، فالادخار يعتبر جزءا من مسؤولية الأسرة، باعتبار أن تقصيرها في هذا الجانب قد يكون له أثر سلبي، وكثير من الأثرياء لهم نصائح في هذا الجانب، ناتجة عن تجربتهم الشخصية التي مكنتهم من أن يكونوا من أبرز أثرياء العالم. ولعل الخطوة الأولى للثراء هي قدرة الفرد على الادخار، ومواجهة متع الحياة بالقدرة على ضبط الإنفاق.
الحقيقة أن الإنسان اليوم يشهد تقدما في جوانب كثيرة من الحياة، والحياة تتطور بشكل متسارع، وتنافس الشركات العالمية والمحلية في التسويق لمنتجاتها وجذب كثير من المجتمع إلى تلك السلع، جعل المجتمعات أكثر ولعا بالاستهلاك وشراء تلك السلع والبحث عن أسباب المتعة والترف بمختلف أشكالها وصورها، وتبدو ثقافة الاستهلاك شائعة في كثير من الدول التي لديها وفرة مالية، وذلك ملحوظ في دول مثل الولايات المتحدة التي تبلغ مديونيات الأفراد فيها أرقاما عالية جدا، والأمر لا يختلف كثيرا عن ذلك في دول الخليج والمملكة، وهذا مؤشر في بعض جوانبه إيجابي، باعتبار أن الأفراد في هذه الدول يشعرون إلى حد ما بالأمان المالي، ما يدفعهم إلى عدم التفكير كثيرا في مسألة احتمال مواجهة أزمة مالية، أو أنه بالإمكان تجاوزها بطرق مختلفة، وذلك بخلاف الأشخاص الذين يعيشون في دول أقل وفرة مالية، ويمكنهم الادخار، إذ يجدون أن المستقبل مليء بالتحديات الاقتصادية، وهذا ما كان معروفا لدى أجدادنا مع ضعف الموارد حينها، فكل من لديه إمكانية للادخار فإنه يلتزم بذلك.
الادخار عموما من الصعب أن يكون سبيلا إلى الثراء والوفرة المالية، لكنه خطوة رئيسة نحو ذلك، ومن هنا تأتي أهمية العناية بمسألة إتاحة مجال التنوع في فرص الاستثمار الآمن أو متوسط المخاطر للمجتمع، الذي يمكن أن يتكامل مع الادخار في الوصول إلى حالة الوفرة المالية.
بناء ثقافة الادخار والاستثمار تنشأ مع الفرد منذ الصغر كسائر احتياجاته الدنيوية، وهنا تأتي أهمية المؤسسات التي لها علاقة بمسألة الادخار والاستثمار والمؤسسات التعليمية والإعلامية في بناء مهارة وثقافة الفرد تجاه الادخار منذ الصغر، وذلك لوجود حاجة ماسة إليه في وقت مبكر من حياته، إذ إن إدراك أهمية ذلك متأخرا قد يصعب معها الوصول إلى نقطة الاستقرار والوفرة المالية، بل تحقيق الفرد احتياجاته التي تتطلب توافر مبلغ كبير مثل السكن.
فالخلاصة أن ثقافة الادخار هي جزء مهم من بناء شخصية الفرد في المجتمع، ومن المبادرات التي اعتمدتها "رؤية المملكة 2030"، وهذه الثقافة تتطلب التكامل في العمل والتنسيق بين المؤسسات التي لها علاقة بالادخار والاستثمار من جهة والمؤسسات التعليمية والإعلامية من جهة أخرى.

إنشرها