FINANCIAL TIMES

آخر سيارة هولدن تكتب شهادة وفاة الصناعة في أستراليا

أسدل الستار في أستراليا، فقد أغلقت شركة هولدن - التابعة لشركة جنرال موتورز، آخر مصنع تجميع سيارات رئيس في البلاد يوم الجمعة الماضي، منهية بذلك صناعة دامت قرنا من الزمن، التي تشكل حجر الأساس في قطاع التصنيع في أستراليا.
والشركة في ذلك، لا تأتي بجديد فهي تتبع ذلك قرارات مماثلة اتخذتها كل من شركتي فورد وتويوتا لوقف التصنيع المحلي، في الوقت الذي فشلت فيه شركات صناعة السيارات في التكيف مع انخفاض الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الآسيوية الأرخص ثمنا، عقب توقيع صفقات تجارة حرة أغرقت السوق بالواردات الرخيصة.
على أن المشاكل ليست مقتصرة على أستراليا، فالأخيرة واحدة من الاقتصادات المتطورة التي تكافح من أجل التنافس، في الوقت الذي يتحول فيه قطاع تصنيع السيارات العالمي بشكل متزايد إلى الأسواق الناشئة مثل المكسيك، حيث تكون تكلفة الإنتاج أقل.
يثير إغلاق شركة هولدن تساؤلات ويزيد من حدة النقاش حول قابلية البقاء طويلة الأجل للإنتاج في الدول الأغنى في العالم.
يقول فيليب مونوز، محلل قطاع السيارات العالمي الذي يعمل لدى وكالة جاتو داينامكس: "التحول العالمي في الإنتاج هو أحد العواقب المترتبة على اتفاقيات التجارة الحرة ما بين البلدان ذات الاختلافات الكبيرة في تكاليف العمالة".
في أمريكا الشمالية، لا تزال شركات صناعة السيارات تستثمر في المكسيك، على الرغم من التهديدات التي يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على شركات صناعة السيارات التي تحول إنتاجها إلى خارج الولايات المتحدة.
بدأت شركة أودي باستخدام المكسيك كمركز للإنتاج العالمي للسيارات الفاخرة ذات الاستخدامات الرياضية من طرازQ5، في الوقت الذي تفتتح فيه شركة بي إم دبليو أيضا مصنعا لها لإنتاج سيارات من السلسلة الثالثة لطرحها في السوق العالمية هناك.
كما تعتزم شركة تويوتا أيضا نقل إنتاجها لسيارات الكورولا إلى المكسيك، في الوقت الذي تعمل فيه شركة جنرال موتورز بتوسيع مصانعها في البلاد. كانت شركة فورد تعتزم إنتاج طراز فوكس التالي في المكسيك، إلا أنها حولت الإنتاج إلى الصين.
شركة فولفو، المملوكة من قبل شركة جيلي في الصين، تستخدم أيضا الصين كقاعدة تصدير عالمية لسيارات الصالون من طراز S90.
في أوروبا، كانت هنالك موجة من الاستثمارات من قبل شركات جاكوار لاند روفر، وفولكس فاجن، ودايملر المالكة لمرسيدس، في مصانع السيارات الموجودة في سلوفاكيا وبولندا في أوروبا الوسطى والشرقية، حيث تكاليف التصنيع أقل كثيرا مما هي في ألمانيا والمملكة المتحدة.
التصنيع في البلدان ذات التكلفة المرتفعة مثل أستراليا "يكون معقولا فقط عندما يكون لديك مركز تصدير"، كما يقول جورج جاليرز، محلل في قطاع السيارات يعمل لدى وكالة إيفركور آي إس آي.
البلدان التي مثل المملكة المتحدة وألمانيا تعتمد على الصادرات - حيث يباع نحو 80 في المائة من السيارات المصنعة في كلا البلدين في الخارج.
هذا التركيز على الصادرات يضع التركيز على اتفاقيات التجارة الحرة، التي استشهد بها أنصار البريكزيت في المملكة المتحدة كوسيلة لفتح الأبواب أمام بيع السيارات البريطانية إلى بلدان مثل الولايات المتحدة والصين.
في أستراليا - حيث شهدت اتفاقية للتجارة الحرة مع تايلاند إغراقا للسوق بسيارات أرخص ثمنا - والولايات المتحدة، هنالك حالة مزاجية سلبية بشكل أكبر حول المنافع المتأتية من إبرام اتفاقيات تجارة حرة.
أكثر من أية اتفاقية أخرى، تسلط اتفاقية التجارة الحرة المبرمة في أمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (نافتا) الضوء على مخاطر اتفاقيات التجارة الحرة بالنسبة للبلدان المتقدمة.
ساعدت اتفاقية نافتا في طفرة الازدهار التي شهدها قطاع تصنيع السيارات في المكسيك للتحول من صناعة صغيرة إلى قوة عالمية خلال عقدين من الزمن، لكن بالنسبة للولايات المتحدة، فقد شهدت استنزافا في الوظائف وصولا إلى الجنوب الأرخص.
هذا الضغط على الوظائف دفع الرئيس ترمب لأن يطلق على نافتا اسم "أسوأ صفقة في التاريخ" وأدت أيضا إلى انسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر الباسفيك - اتفاقية ما بين 12 بلدا متاخمة للمحيط بما في ذلك اليابان والولايات المتحدة.
تقول جيسيكا جلادستون، وهي شريكة في الشركة القانونية كليفورد تشانس في مقرها في لندن: "من المهم تماما أن تكون اتفاقية التجارة الحرة ناجحة حقا بالنسبة للشركات من الناحية العملية. لأنه من دون الدراسة المتأنية، قد تتسبب الاتفاقية في ظهور عوائق كبيرة ليس لها علاقة بالرسوم الجمركية، الأمر الذي قد يتسبب في تحييد تام للمزايا التي يجري التفاوض بشأنها".
منذ أن وقعت كانبيرا اتفاقية تجارة حرة مع بانكوك في عام 2005، اشترى المستهلكون الأستراليون 2.26 مليون مركبة مستوردة من تايلاند، وفقا للغرفة الفيدرالية لصناعة السيارات في أستراليا. مع ذلك، عندما حاولت كل من شركتي هولدن وفورد تصدير السيارات المصنوعة في أستراليا إلى تايلاند، اشتكتا من أنهما غالبا ما كانتا تواجهان حواجز خفية لا علاقة لها بالرسوم الجمركية جعلت الصادرات غير مستدامة.
يقول بول باستيان من اتحاد عمال التصنيع في أستراليا: "كانت اتفاقية التجارة الحرة التايلاندية صفقة بمسار واحد، فهي لم تقدم ميدانا متكافئا بالنسبة لشركات تصنيع السيارات لدينا".
على الرغم منه أنه لا شك في أن تدفق السيارات الرخيصة وفر لمزيد من الناس إمكانية الحصول على السيارات، وهي خطوة لها فوائد محتملة بالنسبة للاقتصاد الأوسع نطاقا، إلا أن هذا التدبير كان له أثر سيئ في الصناعة، وتراجع إنتاج السيارات بمقدار النصف ما بين العامين 2004 و2012 إلى نحو 220 ألف مركبة - من شركة تويوتا 100 ألف سيارة، ومن شركة هولدن 80 ألف سيارة، ومن شركة فورد 40 ألف سيارة.
كما أدى التخلص من الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على الواردات أيضا إلى إيجاد سوق سيارات محلية، حيث باعت 67 شركة ذات علامات تجارية 350 طرازا في عام 2014 في سوق تحقق مبيعات سنوية حجمها 1.1 مليون سيارة قيمتها 40 مليار دولار أسترالي.
وكان هذا أكثر مما تم تحقيقه في كل من الولايات المتحدة، حيث كانت المبيعات 17 مليون وحدة، أو الصين، التي حققت مبيعات بلغت قيمتها 23 مليون سيارة في العام نفسه.
يقول روي جرين، عميد في كلية الأعمال في جامعة سيدني للتكنولوجيا: "المنافسة تزداد حدة. تايلاند أصبحت منذ الآن قوة كبيرة في آسيا وتعمل على استيعاب كل الإنتاج الأسترالي لشركة تويوتا. أما الصين فهي قوة عالمية ناشئة جديدة".
كما يقول إنه لكي تبقى شركات صناعة السيارات على قيد الحياة في الاقتصادات ذات التكلفة المرتفعة، تحتاج إلى تضمين مستوى مرتفع من الروبوتات والتشغيل الآلي في العمليات التشغيلية، والتكامل بشكل كلي مع الأسواق العالمية وسلاسل التوريد، وأن تكون قادرة على تخصيص منتجات للمستهلكين الأفراد، وتقديم تصاميم ذات طراز عالمي.
الاستخدام المتزايد للروبوتات قد يساعد في ترجيح كفة الميزان لمصلحة البلدان المتقدمة، بحسب ما يقول الدكتور سام لوتريل، شريك في الشركة القانونية كليفورد تشانس في مقرها في أستراليا. كما يقول: "قطاع صناعة السيارات هو أحد الصناعات الأكثر استخداما للأتمتة في العالم".
"تقوم الروبوتات بأداء معظم الخطوات الرئيسة في خط الإنتاج. عندما تقوم الروبوتات بأداء الأعمال، تبدأ عملية استبدال تكاليف الأجور بفواتير استهلاك الكهرباء".
وهذا لا يشكل عزاء يذكر بالنسبة للعمال الموجودين في مصنع التجميع أديلايد التابع لشركة هولدن البالغ عددهم 900 شخص، أو غيرهم ممن يعملون في العالم الصناعي، حيث التنافس النشط على التكاليف لديه أثر مماثل.
يقول جو سبوير، مدير معهد التحويل الصناعي في جامعة فليندرز: "من النادر جدا خسارة صناعة كاملة، وانتهاء قطاع صناعة السيارات في أستراليا هو بمنزلة تحذير مفيد للبلدان الأخرى بشأن ما يمكن أن يحدث فيما لو كانت تشعر بالتناقض إزاء الصناعة. هذا الوضع يتعزز في مكان آخر".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES