تطوير القضاء من أين يبدأ؟ (3)

|

تحدثت في المقالين السابقين عن ركيزتين أساسيتين في إطار تطوير القضاء، واليوم أود الحديث عن الركيزة الثالثة وهي هيكلة القضاء.
احتفلت وزارة العدل أخيرا بانتقال القضاء التجاري ليتبع القضاء العام، وهذا جزء من سلسلة إصلاحات بدأت بصدور نظام القضاء عام 1428هـ، ولكن برأيي أن مجرد الانتقال ليس تطويرا في ذاته، بل يحتوي على خطورة سأتحدث عنها هنا باختصار وسبق أن كتبت عنها.
هيكلة القضاء الحديثة هي باختصار نتاج للفكر الإنساني المتراكم لدى كل الشعوب، ولهذا يجب علينا أن نستفيد من التجارب الدولية في هذا، خصوصا تلك الدول التي سبقتنا بمراحل طويلة في سياق الحضارة والحداثة، وأكثر ما يهمنا برأيي هو تلك الهياكل التي تضمن مزيدا من العدالة والكفاءة والحوكمة الحديثة.
يجب أن تتطور المحاكم المتخصصة لتصبح أكثر تخصصا من خلال مبادئها المستقلة وقضاتها المتخصصين مثلا، فيجب حماية جميع المحاكم المتخصصة والمحافظة على مبادئها وطريقة عملها، دون أن تختلط بالمحاكم الأخرى أو قضاة دخلاء من خبرة مختلفة.
نقل القضاء التجاري على سبيل المثال كان يجب حمايته من خلال تشريعات حتى لو استوجب ذلك الرفع للمقام السامي لإصدار قرارات تمنع اختلال توازن المحكمة التجارية من حيث مبادئها أو قضاتها، سواء في محاكم الدرجة الأولى أو الاستئناف أو حتى المحكمة العليا، وسبق وأن كتبت عن هذا الأمر مرارا. يجب على المسؤولين وأتصور أنهم مدركون لهذا الأمر؛ أن يمنعوا تماما من مفاجأة انتقال قاض كانت خبرته كلها في قضاء الأحوال الشخصية أو القضاء الجزائي أو العام ليصبح أحد قضاة المحاكم التجارية. فنحن نعاني أصلا من عدم اعتماد الخبرة كأساس لاختيار القضاة، فلا أقل من منع هدم الخبرات التي بناها القضاة من خلال ممارستهم وعملهم لينتقلوا إلى ممارسة جديدة عليهم، والتحدي اليوم يقول؛ ما الآلية والإجراءات التي سيعتمدها القضاء العام لحماية القضاء التجاري بشقيه الابتدائي والاستئناف؟ متأكد أن المسؤولين يعملون جهدهم في هذا السياق، ولكن يجب التنبه إلى هذا الأمر جيدا، وإلا فإن النتيجة ستكون محبطة للآمال في حال لم تتم معالجة هذا الأمر وحماية المحكمة التجارية ومبادئها.
الأمر الآخر؛ هو في سبيل عمل محاكم الاستئناف؛ فقد فرحنا كثيرا بقرار القضاء الإداري بداية التفعيل الفعلي لقضاء الاستئناف كدرجة قضائية ثانية، ونتمنى ولو بداية مرحلية لقضاء الاستئناف العام؛ إلا أنه على الأقل أن يتم تفعيل الحد الأدنى من ذلك، فنشاهد كثيرا أن القاضي يمنع حتى إطلاع الخصوم على ردود محكمة الاستئناف، على الرغم من أنه حق لهما، وبعضهم يجيب ويرد دون أن يخبر الخصوم بذلك، وهذا إلغاء تام لدرجة الاستئناف، حيث أصبحت مجرد تمييز للأحكام، على الرغم من أنه يمكن المعالجة التشريعية وإلزام القضاة بعمل إجراءات محددة للتعامل مع استفسارات وملاحظات الاستئناف بشكل يضمن الاطلاع الكامل للخصوم وإتاحة الفرصة لهم بالرد والجواب بشكل منصوص نظاما.
هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلى نقاش وتطوير ويكفي الإشارة، ولا نقلل أبدا من جهود وزارة العدل المشكورة.

إنشرها