الاحتلال الاقتصادي الإيراني لسورية

|

"بدلا من استغلال إيران عوائدها المالية لتنمية البلاد، استخدمتها لإشعال الفتن خارج حدودها"
من بيان للسعودية أمام الأمم المتحدة

أيا كان شكل النهاية للمصيبة الحاصلة في سورية منذ سبع سنوات، يعمل الاحتلال الإيراني لبعض المناطق السورية على احتلال اقتصادي كامل لهذه البلاد المنكوبة. وأيا كانت المحصلة الكارثية لما يجري في سورية، فنظام علي خامنئي يتحرك بكل ما يملك من أدوات لتكريس وجوده الطائفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، في أبشع استغلال لمستقبل شعب منكوب، ليس فقط جراء وجود سفاح مثل بشار الأسد "رئيسا"، بل لقيام هذا القاتل بفتح سورية كلها، أمام دول وجهات لا تنشط إلا في زيادة المصائب، ونشر الخراب، في ممارسات خيانة نادرة في التاريخ الحديث. كانت إيران بنظامها الطائفي العدواني التخريبي أول المدعوين إلى "الوليمة" المفجعة. وأتت بالفعل تجر معها عددا من العصابات التابعة لها، وفي مقدمتها حزب الله الإرهابي الذي يحمل خطأ توصيف "اللبناني".
قيادة الاحتلال الإيراني في سورية لا تخفي مخططاتها الاقتصادية تماما مثلما لم تخف أعمالها الوحشية الفظيعة في هذا البلد. وطهران تملك المال اللازم لإتمام حلم السيطرة الكاملة على الاقتصاد السوري بعد انتهاء الحرب الدائرة، كيف؟ بتحويلها كل العوائد المالية التي تمكنت من الحصول عليها في أعقاب رفع العقوبات عنها "وفق الاتفاق النووي المشكوك فيه دائما"، إلى تنفيذ برنامج السيطرة الاقتصادية، دون أن تنفق دولارا واحدا على التنمية في إيران نفسها. أولويات نظام خامنئي -كما سلفه الخميني- لم تكن يوما الشعب الإيراني، وإنما تنفيذ استراتيجية الخراب الطائفية البغيضة، هنا وهناك، وتحقيق حلم بائس مشين، بإنشاء ما اصطلح على تسميته بـ"الهلال الشيعي". حتى هذا الأخير لم يعد حلما مقبولا لخامنئي، ما يفسر تصريحات قياديين لديه بأنهم يسعون إلى إنشاء "البدر الشيعي"!
وقد يقول قائل: إن روسيا لها حضورها الأكبر على الساحة السورية، فكيف يمكن أن نطرح مطامع خامنئي الاقتصادية في هذا البلد فقط؟ وهذا سؤال في محله. فكل بلد يمكنه الوصول إلى ساحة ما ترغب وتسعى إلى تدعيم وجودها والحصول على العوائد المطلوبة على مختلف الأصعدة، لاسيما الاقتصادية. فكل ساحة -مهما كانت أزماتها- تطرح فرصا اقتصاديا متعددة، بل توفر مسارب للحصول على الأرباح والعوائد الكبيرة أيضا. غير أن الأمر مختلف عن الحالة الإيرانية. فطهران مستعدة للإنفاق بلا حساب، ليس فقط من أجل عوائد اقتصادية، بل لتحويل أحلامها المريضة إلى حقائق. الأجندة واضحة، تتعلق بالتمكين الشيعي في سورية، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار عمليات التهجير المفجعة للسوريين السنة من مناطقهم وبيوتهم، وإجبار شريحة منهم على النزوح إلى مناطق داخل سورية لأسباب طائفية.
أحلام كثيرة لنظام علي خامنئي في سورية والمنطقة ككل. فبعد العراق تأتي سورية، ما يعني أنه وصل إلى ساحل المتوسط. ومن هنا يمكن فهم المخطط الراهن بإنشاء سكة حديد تنطلق من طهران لتصل إلى البحر المتوسط! ناهيك عن المشاريع الأخرى ذات البعد الاستراتيجي، كتأهيل منصات النفط السورية، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء من خلال استيراد خمس محطات قوة من إيران، إضافة طبعا إلى سلسلة من الاتفاقيات بين نظام سفاح سورية وطهران، تكبل السوريين على مدى عقود. وليس غريبا -مثلا- أن يكون وفد خامنئي إلى معرض "إكسبو" في دمشق، أكبر الوفود قاطبة، بانضمام 30 شركة إيرانية إليه. أضف إلى ذلك تلك العمليات الدنيئة التي تقوم بها إيران في المناطق السنية وتحويلها شيئا فشيئا إلى مناطق شيعية، في واحدة من أكبر الجرائم الديموغرافية.
إذا كان لروسيا -وغيرها من البلاد المتورطة في سورية- مطامع اقتصادية مفهومة في سورية في مرحلة إعادة الإعمار، فلإيران مطامع على مختلف الأصعدة، يختصرها الحلم الإيراني الشيعي الذي أتى به الخميني قبل أكثر من ثلاثة عقود. وهو حلم لا يستحق إلا مواجهته بكل قوة ممكنة. فالمكاسب الاقتصادية الإيرانية -رغم أهميتها- من سورية تأتي في ذيل القائمة. قبلها، هناك نشر الطائفية بكل قباحتها، بما في ذلك إتمام تغيير ديموغرافي يعاقب عليه القانون الدولي، وتمكين نظام سفاح سورية بكل الوسائل، لأن هذا الأخير مستعد لبيع كل سورية وقتل شعبها كله، من أجل البقاء ساعة إضافية واحدة في سلطة لم يستحقها منذ اليوم الأول لوصوله إليها. أشياء كثيرة تسبق الهدف الاقتصادي لنظام الملالي. وهذا الأخير مستعد للإنفاق والتمويل بصرف النظر عن أوضاعه الاقتصادية المحلية السيئة.
عند خامنئي الشعب الإيراني ليس مهما، أو في أحسن الأحوال ليس أولوية، والتنمية المحلية تأتي لاحقا بصرف النظر عن المدة. المهم أن يظهر "الهلال الشيعي" ويا حبذا "البدر الشيعي"، أما بقية الأشياء الأخيرة ليست سوى تفاصيل تحتمل التأجيل! بالطبع هذه الأحلام لن تصل إلى مبتغاها، لكن لا يمكننا أن ننفي وجود الأضرار الناجمة عن الاحتلال الاقتصادي الإيراني لسورية.

إنشرها