«وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة»

|

قال سبحانه }وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
العسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة التأخير. والميسرة مصدر بمعنى اليسر.
ذكر الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن "وهو من أشهر كتب التفسير المعتبرة" أن أصل نزول الآية كان في غرماء "دائنين" لأفراد أسلموا. وهؤلاء الذين أسلموا عليهم ديون ربوية لأولئك الغرماء. ودخلوا في الإسلام قبل السداد. فأمر الله بوضع أي إلغاء ما بقي من الربا بعد إسلامهم. وعلى الغرماء قبض رؤوس أموالهم إن كان المدين قادرا على السداد، أو إنظار من كان منهم معسرا برؤوس الأموال إلى الميسرة، أي إلى أن يتيسر لهم السداد.
وعند القرطبي وعدد كبير من المفسرين وعلماء الشريعة أن الآية وإن كانت نزلت في الظرف السابق، فإن الحكم الذي حكم الله به من إنظاره المعسر برأسمال المربي بعد بطلان الربا عنه، حكم واجب لكل من كان عليه دين حل عليه، حتى لو كان قرضا حسنا.
أظن أن الرأي السابق هو رأي جمهور أهل العلم الشرعي. وهذا يعني أنه ليس موضع إجماع، فهناك من يرى إمكان اللجوء إلى طرق أخرى غير الإنظار كالحبس.
وأرى أن أهم إشكال مرده ضبط الأمر. فالتوسع في إنظار المعسر ولين الجانب معه يغري أفراد المجتمع بالتوسع في الاقتراض ويساعد على تضخم الديون. لأن الله خلق البشر محبين للمال ومتع الحياة الدنيا بمختلف طوائفهم وأجناسهم وعقائدهم. كما أن التوسع أو التساهل مع المعسر يفتح باب التحايل للحصول على حكم الإعسار. ومن جانب آخر، يجعل الاقتراض أو الحصول على التمويل أكثر صعوبة على أصحاب الملاءة الأضعف سواء كانوا أشخاصا أو منشآت وغالبا هي منشآت صغيرة. لماذا؟ لأن الممول تهمه مصلحته الدنيوية ولذا سيزيد اهتمامه بتمويل أو إقراض من يرى أنه أبعد عن الإعسار أي الأقوى ملاءة. يحدث ذلك، حتى لو كان صاحب الملاءة الأضعف أولى بمساعدة المجتمع في الحصول على تمويل.
لكن من الجانب الآخر، هناك معسرون يمرون بظروف قاهرة أو مستجدة.
وبين التوسع في الإنظار والتشدد فيه حالات وحالات.
في عصرنا، استجدت حالات بين الإنظار ورفض الإنظار. أذكر منها حالتين:
الأولى: إمكان إيقاف خدمات قد تكون حكومية أو خاصة أو كلتيهما، وكذلك إمكان المنع من السفر. وفي هذا، حدثني شاب أن عليه دينا لأحد المصارف. وحدث أنه فقد وظيفته، فلم يتمكن من الاستمرار في سداد أقساطه، فطلب المصرف إيقاف خدمات حكومية عنه. واستمر الشاب في كلامه أنه كاد أن يعثر على وظيفة لكن رفض توظيفه بسبب إيقاف تلك الخدمات الحكومية عنه، حسب كلامه أو ادعائه.
الثانية: إمكان الاستقطاع من الراتب نسبة كبيرة وربما كبيرة جدا. ولذا قد يكون الباقي من الراتب موفرا للحد الأدنى من الكفاية المعيشية للموظف المدين. وقد لا يكون موفرا.
وقد شهدنا ما يشبه الحالة السابقة لدى بعض المقترضين من المصارف. وقضية السايبر ليست منا ببعيد.
وأختم بالحديث باختصار عن عدة نقاط:
الأولى: إن كثيرين توهموا مما يسمى المصارف الإسلامية أنها لن تنظر إلى تعظيم الأرباح كما تنظر المصارف التقليدية وغيرها من المنشآت التجارية. ولكن الحقيقة أن تجنب ما تراه حراما لا يعني ولا يستلزم بالضرورة زهدك في الدنيا.
الثانية: من المهم إعادة ضبط وهيكلة لمن حصلوا على تمويلات، خاصة ذات الأجل الطويل والطويل جدا.
الثالثة: مع تعقد أمور الحياة والمعيشة، فمن المحبذ على المدى البعيد وجود بناء استشاري حيادي قوي يشرح للناس وبلغة يفهمونها تفاصيل ومزايا وعيوب ما يواجهونه في حياتهم، ومن أهم ذلك التمويلات وأقساطها وما لها وما عليها طيلة مدة العقود.
الرابعة: إن الأنظمة القائمة المحيطة بعمليات التمويل "وغير التمويل" فيها ضعف، وبحاجة إلى إعادة بناء، بما يراعي المشكلات القائمة. وهذه المشكلات كثيرة، والحديث عنها كثير. هل البنية الحكومية القائمة كافية وافية لإعادة البناء؟ قضية تستحق نقاشا.

إنشرها