الجامعات العربية .. و«النشر الحر»

|
كثيرة هي المصطلحات التي يجري استحداثها باللغة الإنجليزية استجابة للتطورات المذهلة والخارقة التي ترافق الثورة الرقمية. وشخصيا تهمني كثيرا مسألة ترجمة هذه المصطلحات والمفردات إلى اللغة العربية. وشخصيا أيضا أرى أن كثيرا من هذه الترجمات لا تفي بالغرض؛ أولا لأنها بعيدة عن المعنى في الإنجليزية، وثانيا صياغتها العربية من الركاكة بمكان إلى درجة أنها تبدو مستعربة وليست أصيلة. بيد أن المشكلة العويصة التي تواجه تعريب السيل الهائل من المصطلحات الحديثة التي تصاغ استجابة للتقدم المذهل في العلوم التكنولوجية ولا سيما في حقل تقنية المعلومات IT تتعلق بما أسميه "شرذمة الترجمة إلى العربية"، هذا المصطلح يعني أن كل بلد عربي قد يكون له تعريبه الخاص لمصطلح موحد على مستوى العالم في اللغة الإنجليزية. هذا ما ورد في ذهني وأنا أطالع خبرا مهما جدا "بالنسبة لي" حول أطروحة الدكتوراه لعالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينج. الخبر الذي تصدر النشرات الإخبارية والصفحات الأولى في الجرائد العالمية يقول إن الموقع الإلكتروني لجامعة كامبردج البريطانية الشهيرة توقف عن العمل "تعطل"، بعد أن صار للقراء إمكانية الوصول إلى أطروحة هذا العالم الكبير مجانا. في اللغة الإنجليزية ورد مصطلح open access أكثر من مرة في كل خبر قرأته عند الإشارة إلى الأطروحة. وهذا معناه أن جامعة كامبردج سمحت للقراء بالوصول إلى أطروحة هوكينج وتحميلها دون عائق أو دفع أي مبلغ من المال. قبل هذا القرار، كان لزاما على القارئ أن يذهب إلى المكتبة العامة أو الجامعية لقراءة الأطروحة أو شراء نسخة منها التي كانت ستكلفه نحو 90 دولارا. عندما جعلتها جامعة كامبردج open access صار في إمكان أي واحد منا الوصول إليها مجانا. وتقاطر القراء على الموقع وفي غضون 24 ساعة زاره أكثر من 60 ألف شخص ما تسبب في تعطله. إلى هنا قد لا يبدو أن الأمر فيه أي شيء من الغرابة وأنه يستحق أن يكون محور نقاش أو موضوعا في عمود أسبوعي في صحيفة مهمة ومؤثرة مثل صحيفتنا الغراء. ما دعاني إلى تخصيص عمود هذا الأسبوع للموضوع المهم هذا هو ترجمة مصطلح open access إلى العربية ومن ثم موقف أساتذة الجامعات والعلماء والباحثين العرب من مفهوم open access. المصطلح له ترجمات مختلفة، إلا أن أيا من هذه الترجمات لا أظن أنها تفلح في نقل المفهوم كما يرد بالإنجليزية. هناك في أقل تقدير ست ترجمات للمصطلح وهي: "الوصول الحر، الوصول المفتوح، النفاذ المفتوح، النفاذ الحر، النشر المفتوح، النشر الحر". أفضل تعريف للمصطلح الإنجليزي هو إتاحة الفرصة للمتلقي قراءة المحتوى دون رخصة ودون مقابل شريطة ألا يتمكن من تحرير المحتوى "إجراء تغييرات فيه". هذا ما يراود ذهن أي قارئ عند مروره على مصطلح open access. لا علم لي إن كان المفهوم ذاته يراود قرائي الكرام عند مرورهم على أي من الترجمات الست التي ذكرتها أعلاه. نأتي إلى النقطة الثانية وهي موقف الجامعات العربية من مسألة جعل النشر العلمي متاحا وبالمجان للقراء والمتلقين من شتى مشارب الحياة. ما لاحظته أن الباحثين والعلماء العرب من الجامعيين وغيرهم لا يحبذون جعل تأليفاتهم وأبحاثهم وكتبهم وأطروحاتهم متاحة للتداول وبالمجان على الشبكة العنكبوتية. ما لاحظته أيضا أن الجامعات بصورة عامة لا تشجع أعضاء هيئاتها التدريسية على نشر أبحاثهم في مجلات علمية يكون محتواها متوافرا وبالمجان وللكل. ما أود تأكيده هنا هو أن النظرة السلبية لدى بعض الجامعات العربية لإتاحة الفرصة للمتلقين والقراء الوصول إلى المحتوى العلمي حتى التخصص الدقيق منه صار أمرا مرغوبا تحث الجامعات والهيئات التعليمية في الغرب الباحثين على القيام به. لا بل يذهب بعضها إلى تشجيعه من خلال المنح والترقيات العلمية. والنشر العلمي في الغرب مدعوم أولا من قبل المحسنين من الأغنياء وكذلك المجالس العلمية التي لها ميزانيات ضخمة. في السويد مثلا، كل بحث علمي ينشره أستاذ جامعي تتلقى الجامعة منحة مالية عليه تصل إلى 800 ألف كرون سويدي (نحو 100 ألف دولار). وتحث المجالس البحثية والعلمية الباحثين والعلماء على جعل نتاجهم متاحا للكل ودون مقابل على الشبكة العنكبوتية كشرط للحصول على الدعم المالي. وأخيرا، أوقف المجلس العلمي السويدي تقديم منحة مالية لأي مجلة علمية ترفض جعل كل محتواها متوافرا دون مقابل على الشبكة العنكبوتية. الوصول إلى النشر العلمي المعرفي دون جهد ودون مقابل له منافعه الكثيرة التي تسهم في تطور المجتمع شأنه شأن التعليم الإلزامي والمجاني.
إنشرها