الحالة المرورية .. وفداحة الكارثة

|

تظهر بين الوقت والآخر تقارير وإحصائيات عن الحالة المرورية في الدول العربية تبين لنا هول الفاجعة، وعظم المصيبة، وفداحة الكارثة. وآخر هذه التقارير بينت أن عدد الوفيات في دولة عربية واحدة جراء حوادث المرور وصل إلى ما يقارب ثمانية آلاف حالة وفاة سنويا وهي قابلة للزيادة. وهذا يمثل أعلى نسبة ضحايا في العالم حتى بين الدول التي فيها صراعات طائفية، وحروب عسكرية، وكوارث طبيعية.
فعلى سبيل المثال بلغ متوسط عدد القتلى العام الماضي في دول الصراع الطائفي والاقتتال نحو أربعة آلاف قتيل بينما متوسط عدد ضحايا الحوادث المرورية في الدول العربية في العام نفسه يفوق سبعة آلاف، هذا من ناحية الخسارة البشرية في الأرواح أما التكلفة المالية فالأمر لا يقل سوءا، فقد بلغت التكلفة الإجمالية للحوادث المرورية ما يزيد على 13 مليار ريال ويشغل المصابون بالحوادث المرورية ثلث أسِرة وزارات الصحة في الدول المعنية. والعجيب في الأمر أن هذه الأرقام تتزايد كل سنة فلم تقلصها البرامج التوعوية ولم تحد من تفاقمها الإجراءات الجزائية.
والسؤال الذي يظهر على السطح هو: هل سيبقى الوضع على حاله؟ وهل سنظل نسمح لهذه الكارثة أن تفتك بالشيب والشباب والصغير والكبير والذكر والأنثى؟ هل نقبل أن تفقد العائلات العربية المسلمة أفرادها الواحد تلو الآخر أو تلتهمهم حوادث السيارات فرادى وجماعات في لمح البصر؟
نحن بالفعل بحاجة ماسة إلى مشروع على مستوى الدول العربية يتكاتف فيه الجميع أجهزة الدول ومواطنوها، والدعاة، وخطباء المساجد ودور العبادة، وكل فرد في المجتمع لأن الأمر يخص الجميع. وإسهام متواضع مني سأذيل مقالي هذا بعدة اقتراحات يمكن أن تدرس وتهذب وينقص منها ويزاد عليها لعل الله أن يخفف عنا ما نحن فيه ويوقف هذا النزيف الذي يضرب أطنابه في أعماق الوطن العربي.
1. أولا وقبل كل شيء يجب أن يسخر الإعلام العربي لخدمة هذه القضية ويلقي الضوء على المخاطر الجمة التي تتسبب فيها حوادث المرور حتى يقتنع الناس (المواطنون والمسؤولون) بخطرها وأنها بالفعل تعد كارثة وطنية وخسارة إنسانية وأنها تعوق تقدم الدول وتسيء إلى سمعتنا كعرب وكمسلمين.
2. بعد أن يستقر في أذهان الناس خطر حوادث المرور ينبغي استحداث هيئة عليا تتبع أعلى مجلس في كل الدول لها كامل الحرية والصلاحية في التحقيق والحجز وتطبيق اللوائح بحذافيرها على كل مواطن ومقيم ولا يحق لأحد الشفاعة في الإخلال بالنظام المروري، فيمكن أن يستثنى المواطن من ترخيص البناء أو دخول ابنه الجامعة أو غيرها من الأمور المعيشية الأخرى إلا الإخلال بنظام المرور فهذا لا يقبل فيه الاستثناء لأن الأمر هنا مرتبط بحياة أو موت.
3. تتولى هذه الهيئة سن قوانين مرورية صارمة يمثل انتهاكها جريمة كالسرقة أو القتل تماما، وتعد مخالفة قوانين المرور إرهابا حتى يقتنع الناس بأن أعظم جريمة يرتكبها الفرد هي الإخلال بقواعد المرور وأنظمته.
4. إجراء دراسات ميدانية على مستوى الوطن العربي لمعرفة الأسباب الجوهرية وراء هذه الكارثة ومن ثم ترتيب الأولويات فنحن نسمع أن السرعة هي السبب الجوهري وراء كوارث حوادث المرور في غالبية الدول العربية ولكن لا ندري فقد تكون هناك أسباب أخرى غائبة، وعلى أثرها ترتب الأولويات ثم يعالج الأهم فالمهم وهكذا.
5. رفع أسعار السيارات حتى تكون للمركبة قيمة في أعين الناس فليس من المفترض أن يحصل كل فرد على سيارة. الذي نلاحظه في بعض البلاد العربية أن كل فرد بالغ أو قاصر في كل أسرة يمكن أن يمتلك سيارة ويحق له أن يقودها دون رخصة قيادة بل يعبث بها ويقتل من شاء ويعوق من يشاء بمباركة من المجتمع وبتهاون من رجال المرور. فلا يوجد عقاب رادع لمن يتسبب في إزهاق الأرواح أو إعاقة البشر وينظر إلى الأمر على أنه قضاء وقدر. ونحن نؤمن بالقضاء والقدر إلا أن ما يحدث فهو تهور وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
6. رفع أسعار الوقود كما هو سائد في كثير من الدول والاقتصادات، فأظن الثمن البخس الذي يدفع للتر البنزين في بعض الدول العربية يجعل من حركة المرور سريعة ومتحركة باستمرار ولكن عندما ترفع أسعار الوقود تقيد حركته ولن يقود المواطن العربي سيارة إلا لضرورة.
7. إعادة النظر في نظام التأمين، ولا يمنع من مضاعفته عدة مرات حتى لو وصل التأمين إلى ما يقارب سعر السيارة، فالتأمين بوضعه الحالي في غالبية الدول العربية لا يمثل عائقا أبدا في اقتناء السيارة.
هذه بعض المقترحات التي أراها وأنا متأكد أن لديكم الكثير وأن الجهات المعنية لديها خطط واستراتيجيات للقضاء على هذه الكارثة والتخفيف من آثارها ولكن لا يكفي الكلام ولا نريد فقط مقترحات بل نريد حملة جادة وسريعة تدير هذه الأزمة وتضبط حركة المرور بكفاءة. حمى الله بلاد العرب والمسلمين من الكوارث وأنار بصائر المسؤولين لتدارك خطرها.

إنشرها