جيل المستقبل

|

من هو جيل المستقبل، وما خصائصه؟ وهل يختلف عن الجيل الحاضر؟ أسئلة طرحتها على نفسي، وأنا ألاحظ التغيرات التي تطرأ على شبابنا في مجالات عدة، بل على جميع الشرائح العمرية، وجميع المستويات الاجتماعية. وبهدف تحديد أهم ملامح جيل المستقبل يلزم طرح مجموعة من المسلمات أولها أنه لا يمكن أن يختلف جيل المستقبل كلية عن حاضره، بل لا بد أن يكون امتدادا للحاضر، والماضي، ولو جزئيا، أما المسلمة الثانية فهي أنه لا يمكن إنكار التغيرات على الصعيد العالمي، وفي عدة مجالات، منها الاقتصادي، والثقافي، والتقني، وطالما أننا جزء من العالم فلابد أن يطالنا تأثيرها في حياتنا، ولذا جيل المستقبل لن يكون صورة مكررة من الجيل الحاضر، بكل مكونات شخصيته، وطريقة تفكيره.
جيل المستقبل يفترض أن يكون واعدا، ولكي يكون كذلك يلزمه الوعي بما يحيط به، وتهيئة نفسه لاكتشاف الآليات المناسبة للتكيف مع التغيرات المتوقعة، مواليد اليوم بعد 20 و30 عاما، هم شباب، وقادة المستقبل، وواقع اليوم يؤكد أن التقنية الحديثة، والمتسارعة، هي ما يجب أن يلم به الفرد، بلغتها، وتفاصيلها الفنية، وبرمجياتها، والمحتوى الذي يتدفق كالسيل، فهي أساس التحدي، والتنافس بين الدول، والوعي لا يتحقق إلا بعلم، ومعرفة تساير كل جديد لأن قطار الحياة لا ينتظر من لم يتسلح بالعلم، فالاقتصاد أساسه العلم والسياسة بنظرياتها وتكتيكاتها علم، والأنظمة والقوانين علم، والمخترعات الحديثة التي ننعم بها قائمة على العلم.
قرأت قبل أيام خبرا مفاده أن عملية نقل رأس آدمي إلى شخص آخر ستتم بعد شهرين، وما من شك أن مثل هذا الخبر لغرابته، وليس لاستحالة تحقيقه يمثل طفرة من الطفرات العلمية، وفي حال نجاحها سيكون لها تأثير قوي، وستحدث انقلابا معرفيا في كثير من المجالات، ولن يكون تأثيرها محدودا في مجال الطب فقط، بل سيطال التربية، وعلم النفس، والاجتماع، فنظريات وقوانين التربية وعلم النفس المدرسة في الحاضر لن تكون كما هي، فنظرية الوراثة والبيئة التي أجريت عليها البحوث وعقدت من أجلها المؤتمرات ودارت حولها نقاشات مستفيضة بشأن الذكاء والقدرات العقلية، وكل ما يدور في فلك هذا الموضوع من عادات العقل واستراتيجيات حل المشكلات وطرق التفكير لن يتم تفسير التباين بين الأفراد وفق نظرية الوراثة والبيئة القائمة حاليا.
في حال نجاح العملية سيكون لدينا فرد عاش في بيئة، وتعلم وفق مناهج مجتمعه، واكتسب من الخبرات، ونشأ وفق طريقة تفكير، وينتمي لسلالة اكتسب منها خصائص عقلية، ومستوى ذكاء، وفق نظرية الوراثة التي يفسر بها علماء النفس الذكاء، لكن فجأة فقد رأسه، الذي نعلم أنه يحتوي على المخ والعقل الموجه لتصرفات وسلوك الفرد، ونقل له رأس شخص ينتمي لسلالة مختلفة وتربى في بيئة ثقافية واجتماعية مختلفة، إضافة إلى تعلمه وفق نظام ومناهج دراسية مختلفة، واكتسابه تجارب ذات طبيعة خاصة.
نظرية الوراثة والبيئة لا يمكنها الصمود لتفسير مثل هذه الحالة، فلدينا بعد العملية جسد عاش وتربى في بيئة ووفق نظام تربوي ونسق اجتماعي مختلف عما يكتنزه رأسه الذي فقده لأي سبب من الأسباب، ويختلف عن الرأس الجديد الذي ركب له. إن سلوك وعطاء هذا الفرد على افتراض الجسد ممثلا له رغم عدم صحة ذلك، فملامح الوجه ستختلف وهو ما ينعكس على تفاعل أقاربه، ومعارفه، وزملاء العمل الذين عرفوه في ملامح، وأصبح ذا ملامح مختلفة، مع ما يصاحب ذلك من تغيرات طرأت عليه.
هل الفرد المرح في سابق أيامه سيكون كذلك في المقبل، أي بعد العملية، أم سيكون على النقيض، بعدما تغيرت منظومة تفكيره؟ وهل يمكن فصل المشاعر عن نظام التفكير، والتعامل معهما على انفراد، أم أنهما كيانان منفصلان؟
مع أن الموضوع لم يتحقق، لكنه ليس مستحيلا، وعلينا أن نعمل على إيجاد منظومة تعليمية، وتربوية تأخذ في اعتبارها المستجدات كافة، حتى لا نتأخر عن ركب الحضارة الذي تقوده وتسيره المنتجات المعرفية، البالغة الخطورة في تأثيرها في طريقة التفكير والاتجاهات ومن ثم النتائج الإيجابية أو الكارثية، وما لم نجعل من العلم منطلقا لجميع برامجنا سنجد أنفسنا على هامش الحاضرة العالمية نقتات منتجاتها.
"ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم" قاعدة ذات قيمة بالغة في استشراف المستقبل والاستعداد له، حتى لا تتفاجأ الأجيال المقبلة بالتغيرات الجذرية المعرفية والسلوكية وطريقة التفكير، واعتماد هذه القاعدة الذهبية كفيل بإيجاد مجتمع صلب يعتز بقيمه وانتمائه ويأخذ بمستجدات الحياة.

إنشرها