الركض في الزمن الضائع

|

خلال السنوات العشر الماضية شهدت عدة قطاعات توسعات ودخول استثمارات كبيرة فيها كان من أبرزها قطاع الأسمنت والتشييد والبناء، زاد خلالها عدد الشركات العاملة في قطاع الأسمنت بمقدار الضعف من ثماني شركات عام 2007 إلى 16 شركة حاليا وفي الوقت نفسه زادت أربع شركات قديمة من طاقاتها الإنتاجية، لترتفع الطاقة الإنتاجية للقطاع من 30 مليون طن تقريبا إلى أكثر من 60 مليون طن السنة الماضية، بلا شك هذا التطور والنمو القوي في هذا القطاع له تأثير كبير في السوق وعلى جميع الأطراف "المستثمرين، العملاء وغيرهم"، لكن هل هذا الاندفاع بالتوسع والاستثمار كان مدروسا بشكل جيد؟ وهل هو صحي للسوق؟ ولماذا تم التوسع بهذا الشكل؟
في البداية من المناسب أن نذكر أن ما حدث مع قطاع الأسمنت يتكرر بشكل دوري وطبيعي في أغلب القطاعات الاقتصادية وفي أغلب دول العالم، حيث تمر أغلب القطاعات بما يسمى بالدورات الاقتصادية، حيث تبدأ بمرحلة النمو ثم النضج ثم الانحدار ثم القاع ثم النمو من جديد وهكذا وبشكل طبيعي تتكرر كثير من الممارسات الخاطئة بين الشركات والمستثمرين والرؤساء التنفيذيين في نوعية القرارات والأهم توقيتها، حيث يتم كثير من قرارات التوسع والاستثمارات في مرحلة النضج بالنسبة للدورات حيث تتصف السوق بالقوة وتعود الذاكرة "قصيرة الأجل" على الأداء والنمو للقطاع خلال السنوات القليلة الماضية وهو ما يغرس الثقة لدى المستثمرين وصانعي القرار في اتخاذ قرارات التوسع أو الاستثمار وهو الخطأ الذي سوف يعانونه لاحقا، فعلى سبيل المثال، قطاع الأسمنت عاش طفرة قوية من أول سنوات القرن الـ21 وزادت قوتها وزاد الطلب في حدود عام 2005 وازداد أكثر من بعد 2007 حتى اضطرت الدولة لمنع التصدير عام 2011، بل زاد استيراد الكلنكر عام 2013، ولتصل ذروة النشاط في عام 2014 وبعدها تبدأ الدورة بالنزول ويتراجع النشاط والطلب عند وصول العرض إلى أعلى حالاته وهو ما زاد مشكلة هذا القطاع، عرض وطاقات إنتاجية ضخمة وكبيرة وطلب يتراجع ما أدى كنتيجة حتمية إلى تخفيضات في الأسعار بشكل غير معهود من هذه الشركات ولكن كل ذلك لم يكف فما زال الطلب أقل بكثير من العرض ليتراكم المخزون إلى مستويات قياسية وبالتالي بدأت بعض الشركات بإيقاف بعض خطوط الإنتاج كمحاولة منها لتقليص التكاليف واحتواء مشكلاتهم.
بكل تأكيد ما حدث مع قطاع الأسمنت حدث بشكل أو بآخر مع قطاعات أخرى مثل الحديد وقطاع البناء بشكل عام وقد يحدث مع قطاعات أخرى مثل التجزئة أو البتروكيمكال أو الرعاية الصحية وغيرها، حيث يعتقد المستثمرون أن التوسع دائما جيد أو أن الطلب سوف يستمر قويا وهذا في أرض الواقع قد لا يتحقق، بل من الخطر بناء القرارات على مثل هذه الافتراضات، بل يجب مراعاة الدورات الاقتصادية ومحاولة تحديد وضع السوق وفي أي مرحلة من مراحل الدورات هو اليوم وهي مهمة ليست بالسهلة، فبعد تحديد أين تقع السوق بين مراحل الدورات سوف تسهل عملية اتخاذ القرار ومدى ملاءمة وقدرة الشركة على تحمل التقلبات والاستعدادات المطلوبة أو في تأخير أو إلغاء قرار التوسع.
إن تكلفة المضي قدما في التوسع أو الاستثمار في الوقت الخطأ أو في الدورة غير المناسبة تعد عالية وقد تؤدي إلى إفلاس الشركات وخروجها من السوق سريعا، خصوصا في الاستثمارات العالية الاحتياج للأصول الثابتة مثل المصانع، حيث إن الاستثمار في الأصول الثابتة يحتوي على عدة مخاطر خصوصا إذا كان التوقيت خاطئا من هذه المخاطر:
1 - الاستثمار في الأصول الثابتة لا يعطي في العادة مرونة في التخارج إذا أراد المستثمر الخروج لأي سبب كان.
2 - الأصول الثابتة تأخذ وقتا طويلا حتى تبدأ في الإنتاج وفي الوقت نفسه عوائدها ترتفع تدريجيا وليست سريعة.
3 - بسبب التكاليف العالية وحجم رأس المال لهذه المشاريع يضطر المستثمر إلى أخذ قروض بنكية لتغطية التكاليف والتأسيس وهو ما يعني تكاليف مالية سنوية وضغوطا لسداد القروض حسب جدولتها التي قد لا تساعده السوق في تغطيتها كسيولة نقدية.
هذه فقط نبذة للمخاطر التي سوف يواجهها المستثمر عند التوسع أو الاستثمار الجديد وتزداد خطورتها عند التوقيت الغلط من الدورات الاقتصادية.
إن واقع قطاع الأسمنت وكذلك التشييد والبناء لهو أفضل مثال لما يمكن أن يؤدي إليه التوقيت الخاطئ في الاستثمار، وحتى هذه اللحظة لا تبدو ملامح القاع لهذا القطاع واضحة حتى نتحدث عن الانتعاش القادم أو الدورة الجديدة، إن أهم نصيحة تقدم للمستثمرين هي اختيار التوقيت المناسب وألا يصبحوا مثل من يقود سيارته بسرعة وأمامه الإشارة تتبدل من الأخضر إلى الأصفر فبدل أن يخفف من السرعة يزيدها ما يعرضه إلى مخاطر الاصطدام بشكل شبه مؤكد.

إنشرها