FINANCIAL TIMES

الأسواق .. لا ينبغي تجاهل تحذير الصين من "لحظة مينسكي"

ما العبارة الصينية المرادفة لعبارة "لحظة مينسكي"؟ هناك احتمال قوي أننا سنحتاج إلى معرفة ذلك قريبا، بعد لحظة مذهلة من الوضوح من رئيس مجلس بنك الشعب الصيني الذي سيغادر قريبا.
على هامش أعمال مؤتمر الحزب الشيوعي في بكين، قال تشو شياو تشوان، الذي سيتنحى عن رئاسة البنك المركزي الصيني "إذا كنا متفائلين فوق الحد حين تسير الأمور بشكل سلس، فان التوترات ستتراكم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصحيح حاد، وهو ما نسميه (لحظة مينسكي). هذا ما يجب أن نقف ضده بشكل خاص".
قد يبدو هذا أمرا مألوفا. لكن بالنسبة إلى شخص في وضع تشو الأمر أقرب ما يكون إلى شخص يصرخ بأعلى صوته "حريق" في مسرح مزدحم. وباقتباس روبرت هوكيت، المختص في شؤون الصين في كلية الحقوق في جامعة كورنيل "هذا التصريح مقصود، ويهدف إلى إثارة الذعر. إنه تقريبا تعويذة للذعر - خاصة في الصين".
استخدام تشو هذا المصطلح أذهل المستثمرين، ودفع أسهم بورصة هونج كونج يوم الخميس إلى أسوأ انخفاض يومي خلال العام. وسرعان ما انعكس هذا الانخفاض في اليوم التالي، لكن من غير الحكمة افتراض أن الحادث قد انتهى. لقد أصدر تشو تحذيرا واضحا حول المشكلات والقرارات التي لا تحظى بشعبية في المرحلة المقبلة.
مصطلح "لحظة مينسكي" يأتي على اسم هايمان مينسكي، وهو أستاذ جامعي للاقتصاد. وقد صيغ المصطلح في عام 1998 من قبل بول ماكولي.
يشتهر مينسكي بآرائه النافذة التي تقول إن الأعمال المصرفية توجد عدم استقرار متأصل في قلب الرأسمالية، وإن فترات الاستقرار تنذر بعدم الاستقرار. والفترات الطويلة من الهدوء تولد ثقة مفرطة في الوقت الذي تنخرط فيه المصارف بشكل متزايد باستمرار في عمليات الإقراض القائمة على المضاربة. ويصل ذلك إلى مرحلة تمويل بونزي "أي مخطط للتحايل" ـ وهو المصطلح الذي استخدمه مينسكي ـ ومن ثم يحدث الانهيار.
قبل عقد من الزمان انتقل هذا المصطلح من كونه عبارة غريبة يستخدمها الأكاديميون ليصبح في مركز النقاش، حين أظهرت الأزمة المالية التي كانت تتكشف فصولها أن هناك أمورا كثيرة يمكن أن تقال لمصلحة أفكار مينسكي. إطار مينسكي يناسب الأحداث التي أدت إلى إفلاس "ليمان" تماما تقريبا: عام 2008 شهد اكتشاف أكبر مخطط تحايل بالمعنى الحرفي في التاريخ، كان وراءه برنارد مادوف.
بالتالي، يجب على أي مسؤول في بنك مركزي ألا يستخدم هذا المصطلح مطلقا. مجرد الحديث عن مثل هذه اللحظة يمكن أن يثير واحدة منها. بيد أن الخوف من لحظة مينسكي صينية كان موجودا منذ عدة سنوات بين المستثمرين والاقتصاديين. ومع انتقال الصين إلى مرحلة ما بعد الأزمة بمساعدة مزيد ومزيد من الديون، فإن الخوف هو أنها ستعاني لحظة مينسكي خاصة بها.
وفقا لمعهد التمويل الدولي، ارتفعت نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي لدى مالكي المنازل في الصين إلى 45 في المائة في الربع الأول من هذا العام، وهو ما يتجاوز بكثير معدل الأسواق الناشئة البالغ 35 في المائة. والآن يبلغ إجمالي الديون، بما في ذلك الشركات، أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.
علينا أيضا أن نضع في الحسبان توقيت تعليقات تشو، في المؤتمر الذي يعطي النظام خمس سنوات أخرى في السلطة. والآن بعد أن أعيد تثبيت تشي جينبينج وزملائه بأمان، فإنه الوقت الأمثل لاتخاذ تدابير غير مريحة يمكن أن تسمح للصين بتجنب أزمة ديون على نحو يماثل أزمة ليمان. واستحضار مينسكي في المؤتمر كان الهدف منه إرسال إشارة في وقت مبكر قدر المستطاع، ودلالة على الاستعجال.
السوابق الشبيهة، الخاصة بتفكيك عبء ضخم من الرفع المالي دون استثارة انهيار اقتصادي ليست كثيرة، لكن قد تكون لدى الصين فرصة أفضل من غيرها. فلدى الدولة درجة من السيطرة على جميع المصارف ولديها أيضا كثير من المقترضين. وهذا يمكن أن يعطيها فرصة لتقشير طبقات من الرافعة المالية دون حدوث لحظة مينسكي، أو انهيار في أسعار الأصول. ومحاولة الصين تحقيق هذا الإنجاز ستكون من أهم العوامل التي تحرك الاقتصاد العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة. ولن يكون من الحكمة أن نشعر بكثير من السلوان من الانتعاش السريع للسوق بعد ذعر يوم الخميس الماضي.
من أجل مثال آخر عن تحذير أحد مسؤولي البنوك المركزية من أن الوقت قد حان لكبح جماح المضاربة، انظر إلى خطاب ألان جرينسبان عن "الاندفاع غير العقلاني" من أواخر عام 1996، الذي أتبعه برفع أسعار الفائدة. هذا الفصل عمل على هندسة تصحيح في سوق الأسهم بلغ 10 في المائة، لكن بعد ذلك فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي لسبب ما حماسه للتصدي للفقاعة الأولية. وترتب على ذلك عواقب وخيمة.
الآن حين نتفهم الماضي بعد حدوثه، نقول إن جرينسبان أصدر ذلك التحذير في الوقت المناسب. كان لا يزال هناك وقت لإيقاف سوق صاعدة قوية والحؤول دون أن تتحول إلى فقاعة. وربما يعتقد تشو أن الشيء نفسه ينطبق إلى حد كبير على الصين.
وليس من قبيل الصدفة أن يعود مينسكي إلى جدول الأعمال "تماما مثل عودة الانتقادات من الاقتصاديين "النمساويين" التحرريين الذين أصدروا أيضا صرخات احتجاج في انتقاد عدم استقرار التمويل".
وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن أنموذج جديد وسط عدم المساواة ومستويات البطالة المرتفعة بشكل عنيد، تبدو الكلمات الختامية في كتاب مينسكي عن كينز ذات صلة بشكل غير مريح "فيما يتعلق باستقرار التوظيف وتوزيع الدخل، فإن الرأسمالية معيبة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES