FINANCIAL TIMES

هدوء موحش يميز الذكرى 30 لـ "الإثنين الأسود"

"يبدو أننا نعيش في اللحظة الأكثر خطورة من حياتنا، ومع ذلك يبدو أن البورصة في حالة قيلولة"، كما قال ريتشارد ثيلر أخيرا. هو ليس وحده في التعبير عن مثل هذه الآراء، وإن كان فوزه أخيرا بجائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد قد جعل، على نحو مفهوم، تعليقاته لافتة للانتباه.
الأموال منفلتة والنمو الاقتصادي العالمي قوي، لكن قوة واستقرار مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لا تزال محيرة. مرت الأسبوع الماضي الذكرى 30 ليوم الإثنين الأسود، أكبر انهيار في يوم واحد على الإطلاق في أسعار البورصة الأمريكية، وكان مروره هادئا بشكل يقبض الصدر.
أحد التفسيرات لهذا اللغز هو أن الأسواق أخيرا أصبحت ذكية: عندما حوّل مختصو الاقتصاد السلوكي انتباههم إلى الأسواق المالية في الثمانينيات، كان هناك استنتاجان رئيسيان: أن الأسهم كانت متقلبة بشكل غير معقول ورخيصة بشكل غير معقول. وهي الآن أقل تقلباً بكثير وأغلى سعرا بكثير ـ ربما هذا مجرد اعتراف طال انتظاره لما ينبغي أن تكون عليه الأمور. ربما.
هناك وجهة نظر بديلة هي أن عام 2017 وإن بدا محفوفاً بالمخاطر، إلا أنه في الواقع ليس كذلك. من الصعب تصديق هذا. من بين المخاطر السياسية الواضحة: محاولات دونالد ترمب تقويض كلا من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا" والاتفاق النووي الإيراني، وصعود اليمين المتطرف في ألمانيا والنمسا، بينما تنتظر مارين لوبن تعثّر الرئيس إيمانويل ماكرون في فرنسا؛ وتشهد إسبانيا اضطرابات خطيرة بسبب حركة استقلال كتالونيا، وعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تبدو غير واضحة مثلما كانت في أي وقت مضى، وبالطبع الفرصة صغيرة لحرب نووية على شبه الجزيرة الكورية ـ لكن يُمكن تصوّرها. هذا ليس وقت الذعر لكن بالكاد يبدو وقتاً للنشوة أيضاً.
لا يمكن أن تكون لحظة جيدة تنشأ فيها مشاعر اللبس بشأن احتمالات وقوع أول ضربة نووية، كما أوضح توماس شيلنيج ذات مرة "إذا ذهبت إلى الطابق السفلي لأتحقق من ضجة في بطن الليل، مع مسدس في يدي، ووجدت نفسي وجهاً لوجه مع لص لديه مسدس في يديه، هناك خطر من نتيجة لا يُريدها أيّ منا، وحتى لو كان يفضل مجرد المغادرة بهدوء، وأنا أتمنى أن يفعل، هناك خطر". ينشأ الخطر من مشاعر اللبس المتبادلة حول ما قد يفعله الشخص الآخر.
هناك تهديدات أخرى ذات طابع غير تدميري بالكامل، لكنها لا تزال تنطوي على إمكانية إحداث أضرار اقتصادية خطيرة. الذين يعتقدون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيُعزز الاقتصاد البريطاني - أنا لست منهم - قد يعترفون بأن عوامل اللبس تُلحق الضرر. لم يعُد بوسع الشركات انتظار الحكومة البريطانية لإنهاء المفاوضات مع نفسها والبدء بمفاوضات جادة مع بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27.
هناك ضرر مماثل من المرجح أن تُحدثه هجمات دونالد ترمب على "نافتا". كما أظهر مختص الاقتصاد نونو ليماو، السياسة التجارية التي لا يُمكن التنبؤ بها هي في حد ذاتها شكل من أشكال الحواجز التجارية.
ومع ذلك، على الرغم من كل هذه المخاطر السياسية، إلا أن الاقتصاد العالمي قد يستفيد من قليل من الاضطراب الإضافي. وسواء كانت البورصة الأكثر تقلباً مفيدة في إضعاف التهاون أم لا، فإن التقلب في الاقتصاد الحقيقي يُمكن أن يكون ميزة. ينبغي أن نتوقع أن تتلاشى الشركات القديمة وتموت، وأن يتم استيعابها أو استبدالها بأفكار جديدة: انهيار الشركات هذا هو الجانب الآخر من التقلب الاقتصادي.
مثلا، دراسة أجراها كل من كاثي فوجيل، وراندال مورك وبيرنارد يونج - نُشرت في عام 2008 - جمعت قوائم من أكبر عشرة من أصحاب العمل في 44 بلداً في أنحاء العالم كافة. المزيد من الاضطراب في القائمة كان علامة على اقتصاد ينمو بقوة، ومؤشراً لنمو سريع في المستقبل أيضاً. النتائج كانت مدفوعة من انقراض الشركات القديمة أكثر مما هي مدفوعة من الصعود السريع لنجوم جديدة.
الكلمة المتفائلة لوصف هذه العملية من النجاح عبر الفشل هي الديناميكية. لكن الديناميكية الاقتصادية في خطر. مختص الاقتصاد، جون هالتيوانجر، سجّل انخفاضاً منذ أوائل الثمانينيات في معدل الشركات الناشئة، وخروج الشركات، وإيجاد الوظائف وتدمير الوظائف. ربما ليس من قبيل المصادفة أن الشركات ذات الإنتاجية المنخفضة قادرة على التراجع بدلاً من الاختفاء.
المياه الهادئة تصاب بالركود في نهاية المطاف، لقد حان الوقت لتحريك الاقتصاد الحقيقي، لكن كيف؟ حتى أعمال التخريب الاقتصادي مثل خروج بريطانيا الكارثي يُمكن أن تكون لها فوائد غير متوقعة، تماماً كما ظهر أن الإضرابات في مترو الأنفاق ساعدت بعض الركاب على اكتشاف طُرق أفضل.
لكن بشكل عام، يبدو أن تكاليف الفوضى من المرجح أن تفوق الفوائد. هناك طُرق أكثر إيجابية لزعزعة الأمور: ضوابط التخطيط السيئة في الاقتصاد البريطاني المتصلب، ومزيد من البنية التحتية في كثير من العالم الغربي، والدعم لتمويل الشركات الصغيرة، كل هذا من شأنه إضافة نشاط يحتاج إليه النظام الاقتصادي بصورة ماسة. والسلطات يُمكن أن تكون أكثر حزماً بكثير في تحدّي قوة السوق. وفقاً لمختص الاقتصاد، لويجي زينجاليس، قضايا مكافحة الاحتكار الفيدرالية في الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1970 و1999 كانت خمسة أضعاف مستواه في الفترة التالية لعام 2000. في عالم الأرباح المرتفعة والتركيز العالي، من الصعب تبرير تلك السلبية.
لا يساورني شك في أن الأسواق المالية ستُعيد اكتشاف الميل إلى الذعر في الوقت المناسب، لكن الاقتصاد الحقيقي ربما يحتاج إلى مزيد من المساعدة. لو أن السياسيين لدينا يتوقفون فقط عن هز السائل الجيوسياسي المتفجر، ويبدأون في تحريك كوكتيل قوى السوق بدلاً من ذلك.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES