مجلس التنسيق السعودي - العراقي .. نموذج نجاح سيحتذى به

|

من الطبيعي أن تجد المملكة خياراتها الاستراتيجية مع العراق، فالعراق له مكانة سياسية وجغرافية مهمة ليس للمملكة فحسب بل لمنطقة الشرق الأوسط ككل، كما أن هناك كثيرا مما يجمع البلدين والشعبين الشقيقين من روابط الدين والأخوة والجوار وأواصر القربى والمصير المشترك. ولذلك فإن تزعزع الاستقرار في العراق مدعاة إلى قلق المملكة وتزعزع منطقة واسعة في العالم، ولكن المغامرات العسكرية والتهور السياسي الذي أصاب القيادات السياسية السابقة للعراق جعل المملكة حكومة وشعبا أمام خيارات صعبة انتهت إلى أن تختار المملكة الحفاظ على أمنها وتعلق كل العلاقات مع العراق حتى تتضح الصورة السياسية والأمنية هناك، وحتى يجد الشعب العراقي القيادة القادرة على إعادة بناء الدولة وتثبيت الأمن فيها.
وأخيرا استطاعت القيادة السياسية في العراق تحقيق عديد من النجاحات التي أثبتت من خلالها أنها تريد فعلا العودة إلى منظومة الدول الناجحة، وأصبح العراق الآن فعلا بحاجة إلى دعم من الأشقاء العرب ودول الجوار العربي بشكل خاص، ولن يكون هناك دولة أهم من المملكة العربية السعودية للأخذ بيد العراق للعودة إلى موقعه الذي يليق به. وقد أخذت المملكة زمام المبادرة عندما قدم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز دعوة رسمية لرئيس مجلس الوزراء بجمهورية العراق حيدر العبادي لزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية في 24 رمضان 1438هـ الموافق 19 يونيو 2017. وتم خلال تلك الزيارة عقد عديد من جسات المباحثات حضرها عدد من كبار المسؤولين في البلدين، في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة، وانتهت أعمال تلك الزيارة بإعلان تأسيس مجلس تنسيقي للارتقاء بالعلاقات إلى المستوى الاستراتيجي المأمول، وفتح آفاق جديدة من التعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك السياسية والأمنية والاقتصادية والتنموية والتجارية والاستثمارية والسياحية والثقافية. لقد كانت المملكة وستظل من أول الدول التي تمد يدها إلى جميع الإخوة الأشقاء في كل مكان، مسؤولية تشعر بها القيادة في المملكة نحو جميع الشعوب العربية والإسلامية.
وهكذا فقد عقدت المملكة العزم على العمل مع القيادة السياسية في العراق لتعزيز مساعيها الرامية لإعادة بناء العراق الحديث، وتم خلال اليومين الماضيين توقيع محضر إنشاء مجلس التنسيق السعودي - العراقي برعاية من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورئيس مجلس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي ريك تيلرسون، كما انعقد الاجتماع الأول لأعضاء المجلس، ولقد جاءت رسائل المجلس في اجتماعه الأول لتؤكد مكافحة الإرهاب وبسط سلطة الدولة على الأراضي العراقية كما تمت الإشارة إلى سوق البترول والتعافي الذي وجدته السوق نتيجة لاتفاق دول"أوبك" مع عشر دول من خارج المنظمة وأهمية الالتزام التام بهذه الاتفاقية حتى يتم التوازن المستهدف، هنا تظهر بشكل واضح وجلي أهمية العلاقات السعودية - العراقية في حفظ أمن المنطقة، وأن الويلات التي انجرف إليها الشعب العراقي حدثت عندما انفردت القيادات السياسية السابقة بالقرارات دون مشاورة الأشقاء العرب، وانحازت بعيدا عن خيارات الشعوب العربية.
فالمجلس إذا يمثل الروح الجديدة التي تسري بين الدول العربية لإصلاح كل ما تم تخريبه في العقود الماضية، وسيكون بمثابة حجر أساس لإعادة بناء العلاقات العربية - العربية وتعزيز فرص النمو المشترك في ضوء احترام حق الجوار والمصير المشترك، فالمجلس سيعمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، والحد من المعوقات وتسهيل نفاذ الصادرات بين البلدين، وكل هذا من شأنه أن يعيد للعراق كثيرا من قوته الاقتصادية ويفتح له منافذ وأسواقا جديدة، كما أن هذا سيعزز من الاستقرار الاقتصادي في العراق وهذا بدوره سوف يعزز من الأمن وانحياز الشعب للدولة.

إنشرها