قراءة في غايات «مجمع خادم الحرمين للحديث الشريف»

|

أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم الثلاثاء الماضي 27/1/1439 الموافق 17/10/2017 بإنشاء مجمع باسم "مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف"، يكون مقره المدينة المنورة.
وقد شرح الأمر الملكي مبرر الأمر وهو عظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، واستمرارا لما نهجت عليه هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف، وعلومه جمعا وتصنيفا وتحقيقا ودراسة.
جاء في الأمر أن للمجمع مجلسا علميا يضم صفوة من علماء الحديث الشريف في العالم. وعين لرئاسته الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء.
أكثر ما لفت انتباهي في الأمر الملكي اختيار كلمة مجمع. اختيار كلمة مجمع له ما له من معان وغايات.
ليس هدف المشروع جمع الحديث وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع، فهذا قد تم تحقيقه على أيدي علماء الأمة عبر مئات السنين، الذين شرفهم الله سبحانه بخدمة حديث رسوله وعلى رأسهم الإمام البخاري رحمه الله.
وليس هدف المجمع أن يكون نسخة إضافية لأقسام الحديث في الجامعات أو الكليات المهتمة بالعلوم والدراسات الإسلامية.
ما يسعى إلى تحقيقه المجمع أبعد من ذلك.

كيف؟
أولا: الحديث بحاجة إلى مرجعية علمية قوية بإمكانات قوية تجمعه وتصنفه وتدرسه وتخرجه للناس بما يسهل عليهم الرجوع إليه. وقد يسر الله سبحانه تحقيق ذلك بمجمع خادم الحرمين الشريفين.
ثانيا: مع توسع العالم وتفرقه وتطور التقنية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وكثرة من يفتون ويرسلون المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة البريئة وغير البريئة نكون كأننا رجعنا إلى المربع الأول، أي كأن الحديث لم يخدم.
لا شك أن الأحاديث الموضوعة ليست وليدة هذا العصر، لكن التطور التقني سهل وزاد من انتشارها.
كثرت الفتن وكثر القول بغير علم. ما أكثر ما تصلني رسائل عبر وسائل تواصل اجتماعي تدعي حديثا وتذكر قصصا حوله. وتعبت من الطلب من أصحابها أن يتأكدوا من صحة ما يرسلون. بعضهم يحاول ولكنه لا يملك القدرات ولا الإمكانات ولا الوسائل، وبعضهم لا يأبه للأمر، وكأنه استصغر الأمر وهو عند الله كبير.
تتعرض السنة إلى تحديات عصرية فوق قدرات أقسام الحديث الجامعية. مصدر هذه التحديات إما متطرفين يحملون فكر الخوارج وإما متطورين على الجانب الآخر يحملون فكر التشكيك في أهمية السنة وحجيتها.
الأولون يتوسعون ويصححون الضعيف ويضعفون الصحيح طالما لم يتفق مع أهوائهم.
الآخرون يبحثون عما يرونه مخارج للطعن في الشريعة أو إضعافها في نفوس أبنائها. وكلا الطرفين له أهداف سياسية ودينية لا تتفق مع فهم جماهير علماء الأمة.
وهناك طرف ثالث يتوسع بما يجعل شرعية لكل فهم في الدين، حتى بما يصل إلى حد قبول كل فهم ومعنى ونسبته إلى الدين. وهناك طرف رابع يلمز في مصادر السنة.
من المتوقع، بمشيئة الله، أن ينجح مجمع الملك سلمان في مواجهة حملات التشكيك؛ كونها تنتج عن عدة أسباب أبرزها تجاهل مكانة السنة النبوية وارتباطها بالقرآن الكريم، والارتكان للشبهات، ودعوة بعض المشككين للاكتفاء بالقرآن الكريم، وهو مخالفة صريحة للدين الإسلامي.
من أهداف المجمع المتوخاة أن يكون مصدرا ومرجعا موثوقا للمسلمين وعلمائهم ومفكريهم في كل ما يتصل بالسنة النبوية. من الأهداف تقوية وتنسيق الجهود في نشر سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والتعريف بشمائله وأخلاقه وآدابه وتعامله. لماذا؟ لتزيد من تطبيق المسلمين لسيرة نبيهم في حياتهم. ويتوقع من المجمع أيضا تقريب السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية للناس لتيسير العمل بها وتطبيقها في واقع حياتهم.
من الأهداف مساعدة الباحثين بتقديم الاستشارات العلمية في جميع علوم السنة النبوية بأسهل وأقصر الطرق ولأكبر شريحة ممكنة من طلبة العلم والباحثين في جميع أنحاء العالم.
من أهداف المجمع المساهمة الفعالة في نشر الثقافة الحديثية وقراءة كتب السنة. ولها في تحقيق ذلك عدة طرق تسهلت مع تطور التقنية.
وسيسهم المجمع في تعزيز تطبيقات نبوية في حياة الناس.
لا شك في وجود جهات عديدة تحاول جهدها تحقيق أهداف المجمع الذي أمر بإنشائه خادم الحرمين الشريفين، لكنها ذات قدرات محدودة جدا، وتبعا، كان وما زال نشاطها بسيطا ضعيفا لا يلبي جزءا معتبرا من حاجة المسلمين إلى خدمة سنة نبيهم في عصرنا هذا.
نطمح إلى أن يكون المجمع جهة مرجعية للمسلمين وللجامعات والمراكز العلمية والبحثية في الحديث الشريف وعلومه وأصوله. معروف عن المملكة العربية السعودية أنها أكبر سند وداعم لكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

إنشرها