FINANCIAL TIMES

ارتفاع الأسهم الأمريكية يخفي شكوكا طويلة المدى

في الأسبوع الماضي نشر دونالد ترمب تغريدة إلى متابعيه البالغ عددهم 40 مليونا، أعلن فيها "يا للبهجة!" في الأدنى، كانت راية حمراء تقول ببهاء "مؤشر داو تخطى 23 ألف نقطة للمرة الأولى!"، ورسم بياني متحرك مذهل للسوق، مع موسيقى خلفية مرحة.
ما الذي يجب أن يفهمه المستثمرون من هذا؟ أحد الاستنتاجات كما يبدو هو أن ترمب يتلقى النصائح المهنية – بشكل متأخر – حول تعليقاته على "تويتر". نادرا ما أظهرت تعليقاته هذه الرسوم الذكية من قبل.
النقطة الثانية والأهم هي ملاحظة أن هذا هو الرئيس الذي ينظر إلى سوق الأسهم باعتبارها مقياسا حاسما - إن لم يكن الأكثر أهمية - لنجاح السياسة وتأكيد صحة ما يقول عنها. لاحظ أنه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كان من المفترض على نطاق واسع أن تتعثر الأسواق مع وصول ترمب إلى الرئاسة. بدلا من ذلك، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 القياسي أكثر من 20 في المائة، بما في ذلك إعادة استثمار الأرباح ـ أو كما غرّد ترمب أيضا "اكتسبت الولايات المتحدة أكثر من 5.2 تريليون دولار في قيمة سوق البورصة منذ يوم الانتخابات"!
وفي الأسبوع الماضي توقع ستيفن منوشين، وزير الخزانة، أن الأسهم الأمريكية "سترتفع أعلى من قبل" إذا ما نفذ الكونجرس مقترحاته للإصلاح الضريبي، التي تدعو إلى نحو 1.5 تريليون من التخفيضات الضريبية. ربما تكون هذه التوقعات المتفائلة صحيحة. مثلا، يقدر "جولدمان ساكس" أن التخفيضات الضريبية يمكن أن ترفع ربحية السهم في الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 12 في المائة، مقارنة بتوقعات خط الأساس الحالي التي من شأنها أن تعزز الأسهم.
لكن قبل أن يرسل ترمب أي تغريدات احتفالية أخرى، ينبغي أن ينظر في نتائج استبيان لمديري الصناديق العالمية نشرها الأسبوع الماضي "بانك أوف أمريكا ميريل لينش". تشير النتائج إلى أن عُشر المستثمرين لا يعتقدون أن الإصلاحات الضريبية ستحدث بالفعل. وأن عُشرا آخر منهم واثق بأنها ستتحقق - ويعتقدون أنها ستزيد رغبة المستثمرين في المخاطرة.
لكن أبرز التفاصيل اللافتة للنظر هو أن ثلثي مديري الأصول يتوقعون أن تتحقق التخفيضات الضريبية، لكن دون أن يكون لديها أي تأثير كبير في الرغبة في المخاطرة. ولعلهم احتسبوا بالفعل الأثر المترتب على 1.5 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية؛ وربما يعتقدون أن الإصلاحات سينتهي بها المطاف بأن تكون تغييرات تجميلية ليست ذات بال.
في كلتا الحالتين، ما لفت انتباهي في الاستبيان هو أن هذه الرسالة يتكرر صداها على ما يبدو بهدوء من قبل جزء من مؤسسة الأعمال الأمريكية أيضا. في مؤتمرات في الأسابيع الأخيرة سمعت عشرات من قادة الأعمال يعبرون عن وجهات نظرهم الخاصة بشأن إدارة ترمب.
هذه طريقة غير علمية للحكم على المشاعر. ومع ذلك، المحادثات تشير إلى أن هناك تحولا دقيقا في النفسيات. في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، كان يبدو على كثير من قادة الأعمال أنهم يشعرون بالنشوة من أنهم لم يعودوا يتعاملون مع إدارة أوباما التي وصفت "في بعض الأحيان بشكل غير عادل" بأنها مؤيدة للقوانين التنظيمية ومعادية للشركات، وكان يبدو على الرؤساء التنفيذيين أنهم يشعرون بسعادة غامرة بسبب المناقشات حول تخفيضات الضرائب على الشركات وتحرير القيود التنظيمية، معربين عن ارتياحهم لاستمرار النمو الاقتصادي، كما يشعرون بالاعتزاز والأهمية لأن البيت الأبيض يطلب منهم المشورة،
ولا يزال بعض هذا التفاؤل قائما. كذلك لا يزال قادة الأعمال يشعرون بالثقة بتوقعات النمو، ويأمل كثير من الرؤساء التنفيذيين أن يساعد تحرير القوانين التنظيمية والتخفيضات الضريبية أعمالهم على المدى الطويل. لكن على المدى القصير، لا يبدو أن هناك كثيرا من التفاؤل بأن التخفيضات الضريبية ستعزز الأرباح بشكل كبير، إلا أن قلة من رجال الأعمال ـ وبشكل لافت للنظر ـ يقولون إنهم استفادوا حتى الآن من تحرير القوانين التنظيمية.
المسألة الأكثر إلحاحا التي تشغل بالهم هي المخاطر الجيوسياسية والحمائية. تهديدات ترمب الأخيرة بالانسحاب من اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية مثيرة للجزع ـ لدرجة أن غرفة التجارة الأمريكية اتخذت أخيرا خطوة غير عادية حين حذرت من أن مثل هذه الخطوة ستكون "كارثة". ويقول بعض الزعماء الجمهوريين، إنهم سيسحبون الدعم للتخفيضات الضريبية إذا استمرت التهديدات لـ "نافتا".
هذا الإحساس بالخطر قد يتلاشى، لا أحد يعرف ما إذا كان تحذير ترمب جادا، لكن النقطة الرئيسية هي ما يلي: قادة الأعمال أمضوا الجزء الأول من رئاسة ترمب وهم يحتفلون بالفوائد المرتقبة من تغيير السياسة، التركيز الآن على مخاطر الهبوط.
يبدو أن منوشين، الرئيس التنفيذي السابق والمختص المالي، يفهم ذلك: فقد حذَّر من أن أسواق الأسهم الأمريكية ستفقد "قدرا كبيرا" من المكاسب الأخيرة إذا حالَ الكونجرس دون إقرار الإصلاح الضريبي. وقال "ليس هناك شك في أن الارتفاع في سوق الأسهم تحول إلى توقعات عالية بشكل معقول بأننا سنحصل على التخفيضات الضريبية والإصلاح الضريبي".
القضية المثيرة للاهتمام حقا هي: كيف يمكن لترمب أن يستجيب إذا أخذت سوق الأسهم في الانخفاض، كما يخشى منوشين. هل سيمر عليه مرورا عابرا ويستهين به؟ أم أن الأسواق الهابطة ستشعل فتيل تحول آخر في السياسة المتقلبة؟ سأراهن على الاحتمال الثاني. لأن علينا ألا ننسى أن ترمب يكره الإذلال وينظر إلى سوق الأسهم على أنها طريقة لتسجيل النقاط، بالتالي جميع الأعين منصبة الآن على مأزق الضرائب، وعلى هذا الرسم البياني المتأرجح لمؤشر ستاندرد آند بورز – الذي يمكن إرساله ضمن تغريدة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES