FINANCIAL TIMES

«جولدمان» يعاني أزمة هوية

أن يكسب "جولدمان ساكس" مالاً دون الحد فهذا ليس أسوأ مشكلات العالم، لكن داخل مقر المصرف الاستثماري في نيويورك، يبدو الأمر كأنه إهانة.
لا يعاني "جولدمان" أزمة مالية، كالتي تعرض لها في عام 2008، عندما تحول رسميا إلى شركة مصرفية قابضة وسط حالة من الذعر من أن كامل وول ستريت يمكن أن تنهار، لكنه يواجه شيئا أعمق: أزمة هوية.
اعتاد أن يكون أنموذجا يحتذى بالنسبة إلى كثير من المصارف المتنافسة – وهو محسود حتى في الوقت الذي تشعر فيه تلك المصارف بالامتعاض منه لتركيزه أحادي التفكير على المصرفية الاستثمارية والتداول. لكن كما تأكد من الإفصاح الذي تقدم به يوم الثلاثاء حول انخفاض بنسبة 26 في المائة في الإيرادات من تداول السندات لديه، تغيرت الأمور. بدلا من رغبة مصارف مثل "جيه بي مورجان تشيس" في أن تصبح براقة مثل "جولدمان"، يحتاج "جولدمان" الآن إلى أن يكون أشبه بها.
وهذه لحظة لها دلالتها، وإن كانت أقل دراماتيكية من عام 2008، حققت الخدمات المصرفية الاستثمارية عقدين مربحين بدعم من العولمة والتحرير المالي، وارتفعت إيرادات "جولدمان" بشكل سريع في الفترة التي أعقبت طرحه العام الأولي في عام 1999 واستمر ذلك إلى عام 2007، وازدهر في عام 2009. لا توجد علة من الناحية المالية في المصرف، وإن تبين أنه أساء إلى بعض عملائه،
لكن القانون التنظيمي حقق آثاره. قررت الحكومات ومشرفو المصارف المركزية أن تجعل التداولات المعقدة في السندات والمشتقات، وهي أعمال الأوراق المالية التي تخصص فيها "جولدمان"، أغلى وأقل ربحية، وتؤيد القواعد الآن أخذ الودائع وتقديم القروض بدلا من استخدام الألاعيب المالية.
ما من أحد في الواقع عمل على التخطيط للجانب الثاني من مشكلة المصرف، أدت الجرعة الضخمة من التسهيل النقدي منذ الأزمة إلى تخفيف حدة التقلبات وجعلت الأسواق أكثر قابلية للتنبؤ، ولم تعد صناديق التحوط التي هي نفسها تتعرض للضغط، بحاجة إلى مكافأة "جولدمان" وغيره لتوليهم المخاطر المالية.
قسم تداول السندات والسلع في "جولدمان"، الذي خرج منه كادر من القادة، بمن فيهم لويد بلانكفين، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمصرف، يروي قصته الخاصة. اعتاد القسم أن يحتل طابقين من مقر المصرف في نيويورك، لكنه تقلص إلى طابق واحد في الوقت الذي انخفض فيه إجمالي الإيرادات من تداول السندات في وول ستريت إلى النصف منذ عام 2009.
عندما تعتمد بشكل كبير على محرك واحد وهذا المحرك "يتفتف" بين الحين والآخر، فإنك في ورطة. قسم الاستشارات المالية وجمع رأسمال في المصرف يؤدي أداء جيدا ولديه ذراع لإدارة الاستثمارات، لكنه يفتقر إلى قوة من المستهلكين مثل قسم إدارة الثروات في "مورجان ستانلي"، أو أنشطة الإقراض وبطاقات الائتمان التي تحرك المصارف مثل "جيه بي مورجان".
الحقيقة التي تُحِط من شأن "جولدمان" هي أن الخدمات المصرفية للأفراد في الولايات المتحدة أصبحت ليس فقط أكثر موثوقية من الخدمات المصرفية الاستثمارية، إنما أكثر ربحية. الميزانية العمومية لدى "جيه بي مورجان" تعادل ثلاثة أضعاف حجم ميزانية "جولدمان"، وذراعه المصرفية للأفراد حققت عائدا بنسبة 19 في المائة على حقوق المساهمين في الربع الثالث، مقارنة بـ 11 في المائة في "جولدمان".
أفضل مقارنة تاريخية لمأزق "جولدمان" هي، للمفارقة، بمصرف "جيه بي مورجان" في التسعينيات. كان "جيه بي مورجان" مصرف الشركات الممتازة، لكنه وجد أن هذا النوع من الأعمال لم يعد مربحا بما فيه الكفاية في الوقت الذي أخذت فيه هوامش الإقراض في الانخفاض. بالتالي أطلق جهدا للعودة إلى الخدمات المصرفية الاستثمارية، بعدما تم فصله عن "مورجان ستانلي" في عام 1935 بموجب قانون جلاس - ستيجل.
حقق "جيه بي مورجان" أداء جيدا في ذلك، ما جعله يعوض عن حقيقة أن "جولدمان" وآخرين هيمنوا على "الشريحة المنتفخة" في وول ستريت من خلال "مشتقات الائتمان الرائدة" (التي تبين لاحقا أنها سيئة)، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق تقدم كاف وحده واستقر على أمر بيع نفسه إلى تشيس مانهاتن في عام 2000.
وفقا لما أشارت إليه صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرها عن الاندماج "كلاهما (المصرفين) عانى في سبيل مواكبة النمو السريع للمصارف الاستثمارية الرائدة، التي هي في أعمال كانت أكثر ربحا بكثير من أعمال الإقراض التي تقع في صلب الخدمات المصرفية التجارية". بعد 17 عاما وأزمة مالية واحدة في وقت لاحق، نجد أن "جيه بي مورجان" عكس هذا النظام من الربحية.
لذلك يحاول "جولدمان" الآن أن يفعل عكس ما فعله "جيه بي مورجان" القديم عن طريق إضافة الخدمات المصرفية إلى المصرفية الاستثمارية. معضلة "جيه بي مورجان" ما زالت قائمة، لأن الإقراض للشركات الممتازة لا يصنع كثيرا من المال. الهدف الأكثر إغراء هو هوامش الربح العالية التي تحققها المصارف من وراء بطاقات الائتمان.
من هنا جاء "ماركوس"، مصرف "جولدمان" على الإنترنت "سمي باسم مؤسسه ماركوس جولدمان"، الذي يقدم القروض لكبار المستهلكين الأمريكيين بديلا لديون بطاقة الائتمان. مصرف ماركوس، الذي سيفتتح في العام المقبل في المملكة المتحدة، يمثل 12 مليار دولار من 28 مليارا للإقراض والتمويل الجديد يعتزم "جولدمان" تقديمها خلال السنوات الثلاث المقبلة لتنويع خدماته.
لكن اقتحام "جولدمان" الشارع الرئيسي ليس أسهل مما كانت عليه الحال بالنسبة إلى اقتحام مصرف جيه بي مورجان القديم وول ستريت: 12 مليار دولار ضمن ميزانية عمومية مقدارها 930 مليار دولار تعد تجربة مالية مثيرة للاهتمام، لكنها ليست ثورة. يتطلب الأمر إنزال التكنولوجيا على الخدمات المصرفية للأفراد، مثلما فعلت "أمازون" في صناعة التجزئة، للتنافس بشكل كامل مع "جيه بي مورجان" و"بانك أوف أمريكا".
يقول أحد الشركاء بحزم "نحن مصرف ونحن ملتزمون بكوننا مصرفا". لكن بيع القروض الشخصية والقروض العقارية، التي يمكن أن تكون الهدف التالي لـ "ماركوس"، ليست وظيفة مصممة لسادة الكون. هذه هي أزمة الهوية الخاصة بـ "جولدمان": القانون التنظيمي والاقتصاد يجعلانه عاديا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES