الاستثمار الأسود .. لـ«حيادية الإنترنت»

|

منذ أصبحت تقنية المعلومات إنجازا واقعيا فتح الفضاء الإلكتروني عبر الشبكة العنكبوتية "الإنترنت" لتواصل كوني بين البشر في مختلف القارات وصارت العولمة حقيقة معيشة، فقد انكمش العالم لبضعة سنتيمترات هي مساحة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول ولا يتطلب بلوغ أي ركن قصي من العالم سوى لمسة خاطفة على لوحة المفاتيح.
هذه العولمة الاتصالية أعادت صياغة العلاقة مع جميع الأنشطة الاقتصادية والمالية والقانونية والثقافية والاجتماعية... إلخ، وعظمت الإفادة منها في زمن قياسي لا يستغرق غير برهات محدودة وبأقل قدر من الجهد والتكلفة، خصوصا وقد تعددت محركات البحث والتطبيقات والشركات المزودة للخدمة وتدفقت الابتكارات والإبداعات المختلفة فيها.
غير أن أحجام الأرباح الطائلة التي أخذت تجنيها الشركات المزودة لخدمات الإنترنت، أدارت الرؤوس فأخذت هذه الشركات، بدافع الجشع والطمع، تسعى إلى تحقيق مزيد من الأرباح وتشن حربا شرسة من أجل تعطيل قانون "حيادية الإنترنت" الذي كان قد صدر إبان إدارة الرئيس أوباما.. والقاضي بتمكين مستخدمي الإنترنت من الوصول إلى المعلومات وغيرها من مصادر المعرفة أو لقطات الفيديو دون مقابل، لكن تلك الشركات المزودة للخدمة وعبر مثل "يوتيوب" و"واتساب" وغيرهما.. تريد التخلص من مجانية الاستخدام وفرض رسوم مقابل المرور بتطبيقاتها.
حيادية الإنترنت، هو ما يتيح لمستخدمي الإنترنت اليوم الامتياز في عدالة وأحقية التمتع والإفادة من الإمكانات غير المحدودة للإنترنت دون احتكار أو ابتزاز لهذا الفضاء الافتراضي الذي هو في الأصل والأساس منجز لم يكن لهذه الشركات أي دور في إنجازه، بقدر ما هي مدينة له أخلاقيا قبل أن تكون مدانة له ماديا، مهما جادلت بكونها تدفع مقابل ذلك ضرائب، هي مهما بلغت قيمها لا تقاس بأي حال من الأحوال بما تجنيه من أرباح هائلة أتاحتها لها شبكة الإنترنت وكان فضاؤها الافتراضي هو السبب الأول والأخير في وجودها, لقد نقلت عولمة تقنية الاتصال البشرية إلى ثراء اقتصادي ومعرفي وإنساني دون أعباء مالية أو أسفار وبتكاليف جد زهيدة لم تكن قط في الحسبان ولكن لم يتم حرمان هذه الشركات ومنعها من فرض مقابل مادي على مستخدمي تطبيقاتها لكن ذلك بمنزلة تشريع لنوع من الاستثمار الأسود لفضاء الإنترنت وهو الذي يواجه للأسف أيضا استثمارات سوداء أخرى لتعكير وتسميم هذه الحيادية عبر الاستخدام القذر للإنترنت من منظمات الإرهاب وزعماء المافيا وتجار المخدرات والجنس.. فرغم أن الدول فرضت قوانين تمكنها من الرقابة على ما يجري في فضاء الإنترنت من خلال تقنيات أمن المعلومات للحد من المخاطر والأضرار والحروب الإلكترونية بكل صورها وقطع الطريق على الإرهاب ومتابعة نشاطه وحرمانه من إمكانية الإفادة من وسائل التواصل ومنصاته وكذا الأمر بالنسبة للمخدرات، أما تجارة الجنس والإباحية والشذوذ، فلربما تضطر معها الدول، يوما، إلى وضع ميثاق شرف أو برلمان أخلاقي يحد من هذا التفسخ، لكن سيبقى هذا الاستثمار الأسود لـ"حياد الإنترنت" في هذه المجالات وأشباهها بمنزلة "كعب أخيل" الإنترنت يتم استغلاله للنفاذ منه لجني طائل الأموال ونشر كثير من الشرور والأخطار، غير أن الوقوف ضد الشركات المزودة لخدمات الإنترنت وإحباط مساعيها لإبطال قانون "حيادية الإنترنت" يمثل انتصارا عادلا لمصلحة البشرية جمعاء ويسجل الموقف الأشد إشراقا لمصلحة الإنسانية لكي يحصل كل فرد على فرصته في التمتع بحقه في استخدام هذا الفضاء الإلكتروني دون "إتاوات" تفرضها بغير وجه حق عليه تلك الشركات بدافع الجشع وشهوة الاحتكار.

إنشرها