تطور تاريخي في الأعمال المحلية

|

هل تؤثر الإصلاحات الاقتصادية في نماذج الأعمال المحلية السائدة؟ في رأيي لقد رأينا كثيرا من البراهين التي تكفي للإجابة بنعم. ستقدم لنا السنوات المقبلة تجسيدا أكبر لهذه التأثيرات. لا يتفق المتخصصون على تعريف محدد لنتائج الأعمال، إلا أن المصطلح يجتمع حول توصيف صنع القيمة، وآليات إيصالها إلى المنتفع بها. لهذا نجد معظمهم يتحدث عن الابتكار لإيجاد القيمة وتقديمها للعملاء، والتصميم الوصفي لتنظيم العلاقات والأطراف والخطوات المطلوبة لإيجاد هذه القيمة. وعندما نتحدث عن تطور تاريخي فإننا نقول بوجود تحول عظيم في نماذج الأعمال المطروحة a large-scale business pivot، وهذا يعني فرصة أكبر لمزيد من الابتكار. في نهاية الأمر الحاجات البشرية دائما موجودة ومتجددة، وكل نموذج تنتهي صلاحيته يحل محله بديل جاهز. عند رواد الأعمال قد يعيد هذا البديل تعريف الحاجة من جديد ويؤثر في سلوك متلقي القيمة.
لم تعد نماذج الأعمال تستقر لفترات مطولة كما في الفترات التاريخية السابقة، فالثورات الصناعية والتقنية سرعت من وتيرة التطور بشكل استثنائي. ومع ذلك، أعتقد أننا بدأنا منذ عام 2014 ـــ ولم تنته بعد ـــ فترة تاريخية في تطور نماذج الأعمال المحلية لم نشهد تغييرا في حجمها إلا عند تأسيس المملكة وأثناء مرحلة السبعينيات والثمانينيات التنموية.
من شواهد هذا التطور التاريخي دخول وسيطرة نماذج جديدة للأعمال غيرت من المشهد التقليدي، شاهد على سبيل المثال التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل والتحسينات التي طرأت على قطاع الأغذية. من الشواهد كذلك خروج نماذج سيطرت لفترات طويلة جدا ومنها ترتيبات الوكالات التجارية في أسواق التجزئة خصوصا تلك التي لم تعد تحظى بالقبول السابق. كذلك هناك فئة كبرى طورت طريقة قيامها بالعمل بشكل جذري غيرت فيه من علاقاتها ومنتجاتها وأعادت تقديم نفسها بشكل مختلف جددت فيه من نموذجها وجوهر عملها. لم تكتف هذه الأعمال بإعادة تقديم نفسها بشكل مختلف فقط، فتغيير الثياب لا يجدد القدرة على الإنتاج ولا البقاء. على النقيض من ذلك، هناك من الأعمال القائمة التي تنازع للبقاء، يقتلها التعنت ببطء وقد يطيح بها فجأة. مثل هؤلاء يعتبرون أيضا مثالا عكسيا جيدا على التطور السريع في نماذج الأعمال، بكل بساطة من لا يلحق بالركب لن يظل في محله بل سيتوقف على جانب الطريق.
اجتمعت خمسة عوامل محفزة لهذا التطور التاريخي في نماذج الأعمال المحلية، وهي مستمرة في الحدوث بزخم لم يسبق له مثيل. ثلاثة منها عالمية واثنان خاصة بنا على المستوى المحلي. الأول، التطور التقني المذهل الذي يبهرنا كل يوم، خصوصا المنتجات التي تعتمد على التقنية لتحسين أسلوب حياتنا. الثاني، تحسن قدرة الدول والشعوب على الاستفادة من المواد والثروات الطبيعية بشكل خفض من تكلفة التصنيع والإنتاج بشكل كبير. الثالث، سهولة تدوير المعرفة وإعادة استهلاكها والترابط الاجتماعي غير المعهود على المستوى العالمي، ما جعل الفكرة الصغيرة التي يشارك بها شاب لا يعرفه إلا بضعة أشخاص في قريته تنتشر في الجانب الآخر من الكرة الأرضية في بضع ساعات.
أما العناصر المحلية المؤثرة فالأول فيها هو بلا شك حزمة الإصلاحات الكثيفة والجدية التي ترافقها باقة متنوعة من آليات التفعيل والمتابعة الحية، ما جعل الاستجابة سريعة على الرغم من أن المجتمعات في العادة تستجيب بشكل بطيء لمثل هذه التغييرات. التشريعات الجديدة وأسلوب تقديمها وتفعيلها مثال جيد لذلك. العنصر المحلي الثاني يرتبط بالتغيير الديموغرافي ودخول الفئة العمرية الناشئة إلى أبواب مرحلة الإنتاج والتأثير. وهذا بطبيعته يعني متطلبات مختلفة وعطاءات مختلفة تدفع بشكل مسرع نحو الإبداع والتأثير في نماذج الأعمال.
ولكن هل تطور نماذج الأعمال هو بالضرورة أمر إيجابي؟ أعتقد أن طبيعة التطور البشري تجعله أقرب إلى الإيجابية في النهاية، إلا أن التغيير عموما يصنع الفرص والتهديدات على حد سواء. هناك فئتان تلعبان دورا محوريا في هذا الجانب، بينما الخاسر ـــ أو المستفيد - هو المجتمع. الفئة الأولى هم التجار أنفسهم، أو "مديرو" نماذج الأعمال الذين يملكون القدرة على تطويرها وتعديلها. باختصار، من يستمر على تصلبه ويحاول مقاومة التغيير سيخسر في نهاية الأمر. المشكلة أن تكلفة خروجه ـــ وإن كان هو الجاني على نفسه ـــ تكتنفها فرص بديلة ضخمة، كان من الممكن أن يستثمر خبراته وإمكاناته إذا واكب التغيير، ويخدم المجتمع بشكل أفضل. الفئة الثانية هي الجهات التنظيمية المشرعة والمشرفة على كل الأعمال ـــ وليس المنشآت الصغيرة والمتوسطة فقط ـــ فهؤلاء يجب أن ينسقوا فيما بينهم لضمان ثلاثة أهداف تتعلق بتطور نماذج الأعمال: 1 - ألا يكون التطور سلبيا أو غير متزامن بشكل سليم مع بقية التغييرات. 2 - أن يتم التقليل من الضحايا، أصحاب النماذج التقليدية القائمة، والجديدة التي لم تجد الفسحة المطلوبة. 3 - أن تطلب بيئة الأعمال ـــ ولا تسمح فقط ــــ وجود نماذج مبتكرة قادرة على التعايش في خضم التحديات الجديدة، مثل: الضريبة، وتكاليف الإنتاج، ومشكلات الدفع.

إنشرها